فدل على أنه لا يصح إسلامه بنفسه كالطفل لأنه ليس عليه جهاد المشركين في ماله لصغره، فدل ذلك على أن الإسلام له بنفسه كالطفل، ولأن عقد الإسلام عقد لازم، والصبي ليس من أهل العقود اللازمة بنفسه كالبيع والنكاح والطلاق.
ولأن ردته ليست بردة، فكذلك إسلامه ليس بإسلام.
والدليل على أن ردته ليست بردة أنه لا يعاقب عقوبة المرتدين وهو صغير، وكل قول لم يؤخذ الصبي بعقوبته لصغره، فإن ذلك القول موضوع عنه أصلاً وهو في حكم الساكت عنه كالقذف.
وإذا كان كذلك ثبت أن ردته موضوعة عنه، ولأن من لا ردة له لا إسلام له كالمجنون.
ولأن الموجب لكفره كفر ولييه وكافليه، أعني أبويه، وإسلامه لا يزيل كفرهما.
فاستحال أن لا يثبت له الإسلام، فإن الحكم لا يرتفع مع بقاء علته.
فإن قيل: بل العلة في كفره، عدم الإسلام منه بعد وقوع المعرفة له به؟
قيل: هذا باطل، لأنه لو كان بين أبوين مسلمين لم يكن قبل البلوغ كافراً.
إذا لم يعقد الإسلام بنفسه بعد وقوع المعرفة له به، فثبت أنه إذا كان بين أبوين كافرين، فإنما ألحقه حكم الكفر من قبل أبويه لا لما وصفت والله أعلم.
فإن قيل: ليس إذا كان الصبي كافراً لكفر أبويه، وكان إسلامه لا يزيل كفرهما، وجب أن لا يصح إسلامه.
فإن الصبي المسبي إنما يكون كافراً لكفر أبويه، وإذا سباه مسلم دونهما، صار مسلماً، وإن كان سبيه إياه لا يزيل كفر أبويه.
فالجواب: أن إسلام السابي يجعله مسلماً إذا سباه وحده دون أبويه، فإنه نزل منه منزلة أبويه.
لما يقل حق الولاية والكفالة عنها إليه، فصار كان أسلما، ولو أسلما لصار مسلماً بإسلامهما.
فكذلك إذا سباه مسلم وحده صار مسلماً بإسلامه.
فإن قيل: فقولوا إنه يصير مسلماً إذا سباه مع أبويه، لأنه وإن كان سباه مع أبويه، فإن حق الولاية يكون له عليه وعلى أبويه جميعاً.
قيل: وإن سباه مع أبويه فإن حق الولاية والكفالة يحتاج إليها الصغير في تربيته، وتنشئته تكون لأبويه.
ولا يكون للسابي أن يحول بينهما ولا بينه، ولا يجوز بيعه إياه دونهما ولا بيعهما دونه، وإن كانت أمه ترضعه لم يكن له أن يحول بينهما وبين إرضاعه، وللأب فيه من حق الكفالة التي يتبع لها الرجال مباشرة، وإشارة بها على الأم ما كأن يكون له من قبل، فلذلك كان تابعاً لهما في الدين.
وأما إذا سبي وحده فقد بطل عليهما ما كان لهما فيه من ولاية وكفالة، وصار للسابي، فلذلك صار دينه دينه والله أعلم.