كما قال سبحانه في موضع آخر: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47] .
لذلك أبهم الله تعالى هذا المنقلب ، وإبهامه للتعظيم والتهويل ، وقد بلغ من العِظَم أنه لا يُوصف ولا تؤدي العبارة مؤداه ، كما أبهم العذاب في قوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78] .
يعني: شيء عظيم لا يُقَال ، والإبهام هنا أبلغ ؛ لأن العقل يذهب في تصوّره كل مذهب ، وعلى كل كيفية .
والمنقلب أو المرجع لا يُمدح في ذاته ، ولا يُذمُّ في ذاته ، فإن انتهى إلى السوء فهو مُنقلب سيء ، وإنِ انتهى إلى خير فهو مُنقلَب حسن ، فالذي نحن بصدده من مُنقلَب الكافرين المعاندين لرسول الله منقلب سيء يُذَم .
أما مُنْقلَب سحرة فرعون مثلاً حين قال لهم: {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ} [طه: 71] .
فماذا قالوا؟ {قَالُواْ لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} [الشعراء: 50] فهذا مُنقلَب حَسَن يُمدح ويُحمد .
وقد يظن المرء أن مُنقلَبه مُنقلَب خير ، وأنه سينتهي إلى ما يُفرح وهو واهم مخدوع في عمله ينتظر الخير ، والله تعالى يُعِد له منقلباً آخر ، كالذي أعطاه الله الجنتين من أعناب وخففهما بنخل ، وجعل بينهما زرعاً ، فلما غرَّته نعمة الدنيا ظنَّ أن له مثلها ، أو خيراً منها في الآخرة ، فقال: {وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} [الكهف: 36] .