ومعنى: {وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} [الشعراء: 227] أنهم لم يكونوا سفهاء ، لم يبدأوا الكفار بالهجاء ، إنما ينتصرون لأنفسهم ، ويدفعون ما وقع على الإسلام من ظلم الكافرين ؛ لذلك لما هجا أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال أحدهم رداً عليهم:
أتهْجُوهُ وَلسْتَ لَهُ بكُفْءٍ ... فَشرُّكما لخيركما الفِدَاءُ
فَإنَّ أَبِي وَوَالِدهِ وعِرْضِي ... لِعْرضِ مُحمدٍ منكمُ وِقَاءُ
وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} [الشعراء: 227] ظُلِموا مِمَّنْ؟ من الذين وقفوا من الدين ومن الرسول موقفَ العداء ، وتعرَّضوا لرسول الله وللمؤمنين به بالإيذاء والكيد ، ظُلِموا من الذين عزلوا رسول الله ، وآله في الشِّعْب حتى أكلوا أوراق الشجر ، من الذين تآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم إلى أنْ هاجر .
ومن رحمته تعالى وحكمته أنْ أباح للمظلوم أنْ ينتصر لنفسه ، وأنْ يُنفِّس عنها ما يعانيه من وطأة الظلم ، حتى لا تُكبتَ بداخله هذه المشاعر ، ولا بُدَّ لها أن تنفجر ، فقال سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] .
وقال تعالى: {لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ} [النساء: 148] .
أباح للمظلوم أن يُعبِّر عن نفسه ، وأن يرفض الظلم ، ولا عليه إنْ جهر بكلمة تُخفِّف عنه ما يشعر به من ظلم .
ثم تختم السورة بقوله تعالى: {وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] يعني: غداً سيعلمون مرجعهم ونهايتهم كيف تكون؟ والمنقلب هو المرجع والمآب ، والمصير الذي ينتظرهم .
فالحق تبارك وتعالى يتوعدهم بما يؤذيهم ، وبما يسوؤهم فلن تنتهي المسألة بانتصار المسلمين عليهم ، إنما ينتظرهم جزاء آخر في الآخرة .