السمع مصدر وألته الأذن ، فالمراد يلقون الأذن للسمع ، كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] .
يعني: ألقى سمعه كي يستمع كمنْ يحرص على السماع من خفيض الصوت ، فيميل نحوه ليسمع منه . وقال {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء: 223] لأن بعضهم والقلة منهم قد يصدق ليُغلِّف كذبه ، ويُغطي عليه ، فأنت تأخذ من صِدْقه هذه المرة دليلاً على أنه صادق ، وهو يخلط الخبر الصادق بأخبار كثيرة كاذبة .
ثم يقول الحق سبحانه: {والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون}
الشعراء: جمع شاعر ، وهو مَنْ يقول الشعر ، وهو الكلام الموزون المُقفَّى ، وقد اتهم الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر ، وردَّ عليهم القرآن الكريم في عدة مواضع ، منها قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ} [الحاقة: 41] .
وعجيب من كفار مكة ، وهم العرب أهل اللسان والبلاغة والبيان ، وأهل الخبرة في الكلام الموزون المُقفَّى ، بحيث كانوا يجعلون للشعر أسواقاً في ذي المجاز وذي المجنَّة وعكاظ ، ويعلِّقون أجود أشعارهم على أستار الكعبة ، ومع ذلك لا يستطيعون التمييز بين الشعر وأسلوب القرآن الكريم .
إذن: هم يعرفون الفَرْق ، لكن يقصدون بقولهم كما حكاه القرآن: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} [الطور: 30] يقصدون بالشعر الكلام العَذْب الذي يستميل النفس ، ويُؤثِّر في الوجدان ، ولو كان نثراً . وهذه ينادى بها الآن أصحاب الشعر الحر ؛ لأنهم يقولون شعراً ، لكنه غير موزون ، وغير مُقفَّىً .