وفي قوله تعالى: « وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا » .. إشارة إلى ما يكون من الشعراء المسلمين ، إذا حاربهم المشركون بالشعر ، وسلقوهم منه بألسنة حداد .. فماذا يكون عليه موقف الشعراء المسلمين هنا؟ أ يسكتون على هؤلاء الذين يرمونهم بهذه الطعنات المسمومة القاتلة من شعر الهجاء ، الذي يشيع على ألسنة الناس ، ويصبح حديث المحافل ، وسمر السمار ، وحداء الحداة ، ونشيد الرعاة والصبيان؟ وكيف وفي أيديهم السلاح الذي يفلّ هذه الأسلحة ، ويخرس تلك الأفواه التي تنفث هذه السموم؟ ومن أجل هذا فقد أذن اللّه سبحانه للشعراء المسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم هذا الشرّ بالشرّ ، وأن يضربوا الشعر بالشعر .. انتصارا من ظلم ، وردعا للظالمين .. واللّه سبحانه وتعالى يقول:
« لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ » (148: النساء) ويقول
سبحانه: « وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ، فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ » (41:
الشورى).
وفي قوله تعالى: « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ » .. تهديد لهؤلاء الشعراء من المشركين ، الذين يعتدون بشعرهم الآثم على الناس ، ويمزّقون الحرمات ، ويهتكون الأعراض .. ثم هو من جهة أخرى - تحذير لشعراء المسلمين من أن يعتدوا ويظلموا ، وأن يجاوزوا الحدّ الذي يأخذون فيه بحقّهم ، واللّه سبحانه وتعالى يقول: « وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » (190: البقرة) وقد فهم كثير من الناس - ومن المسلمين - نظرة الإسلام إلى الشعر ، وإلى الفنون عامة ، فهما خاطئا ، إذ أخذوا بظاهر النصّ القرآني ، ولم ينفذوا إلى شيء من وراء هذا الظاهر ، الأمر الذي يدعونا إلى أن نقف وقفة قصيرة عند هذه القضية ، قضية الشعر ، وموقف الإسلام منه.