والاستفهام إذا علق عنه العامل ، لا يبقى على حقيقة الاستفهام وهو الاستعلام ، بل يؤول معناه إلى الخبر.
ألا ترى أن قولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو ، كان المعنى: علمت أحدهما في الدار؟ فليس المعنى أنه صدر منه علم ، ثم استعلم المخاطب عن تعيين من في الدار من زيد وعمرو ، فالمعنى هنا: هل أعلمكم من تنزل الشياطين عليه؟ لا أنه استعلم المخاطبين عن الشخص الذي تنزل الشياطين عليه.
ولما كان المعنى هذا ، جاء الإخبار بعده بقوله: {تنزل على كل أفاك أثيم} ، كأنه لما قال: هل أخبركم بكذا؟ قيل له: أخبر ، فقال: {تنزل على كل أفاك} ، وهو الكثير الإفك ، وهو الكذب ، أثيم: كثير الإثم.
فأفاك أثيم: صيغتا مبالغة ، والمراد الكهنة.
والضمير في {يلقون} يحتمل أن يعود إلى الشياطين ، أي ينصتون ويصغون بأسماعهم ، ليسترقوا شيئاً مما يتكلم به الملائكة ، حتى ينزلوا بها إلى الكهنة ، أو: {يلقون السمع} : أي المسموع إلى من يتنزلون عليه.
{وأكثرهم} : أي وأكثر الشياطين الملقين {كاذبون} .
فعلى معنى الإنصات يكون استئناف إخبار ، وعلى إلقاء المسموع إلى الكهنة احتمل الاستئناف ، واحتمل أن يكون حالاً من الشياطين ، أي تنزل على كل أفاك أثيم ملقين ما سمعوا.
ويحتمل أن يعود الضمير في يلقون على كل أفاك أثيم ، وجمع الضمير ، لأن كل أفاك فيه عموم وتحته أفراد.
واحتمل أن يكون المعنى: يلقون سمعهم إلى الشياطين ، لينقلوا عنهم ما يقررونه في أسماعهم ، وأن يكون يلقون السمع ، أي المسموع من الشياطين إلى الناس ؛ وأكثرهم ، أي أكثر الكهنة كاذبون.
كما جاء أنهم يتلقون من الشياطين الكلمة الواحدة التي سمعت من السماء ، فيخلطون معها مائة كذبة.
فإذا صدقت تلك الكلمة ، كانت سبب ضلالة لمن سمعها.