2 -إسناد النزول به إلى الواسطة المعبر عنها «بالروح الأمين» ، وهو جبريل عليه السلام لما في الكناية عنه بوصفي «الروح» و «الأمانة» التي هي من أخص صفات الرسالة من إعطاء الفرق بينه وبين الشياطين الذين هم واسطة الكهان، وتمامه تصريحا مذكورا بعد ذلك في قوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} .
اللطيفة السادسة:
تخصيص النزول «بقلبه» صلى الله عليه وسلم، وإن كان إنما نزل على سمعه، ليعلم به أن ذلك المنزل محفوظ له صلى الله عليه وسلم راسخ في قلبه، لا يجوز عليه التغيير المؤثر في شرط الإنذار به، وأيضا فإن القلب هو المخاطب في الحقيقة، لأنه محل التمييز والتعقل مع ما في الترقي إليه، والتخصيص به من الإشارة إلى استقرار المنزل الشريف في المحل الشريف.
اللطيفة السابعة:
الإعلام بغاية هذا التنزيل وهي أن يكون صلى الله عليه وسلم من المنذرين: أي المبلغين في الترهيب مما يخل بكل واجب التحصيل من العلم والعمل اللذين هما وسيلتا السعادة.
اللطيفة الثامنة:
ختم ذلك بما سجل بإتمام النعمة لما أنزل {بِلِسَانِ} أي: بلغة خاصيتها الإبانة، لما تعبر به من المعاني، وإن [تناهت] في الغموض إلى غاية تقصر عنها سائر اللغات مع الوضوح في نفسها، بحيث يسبق قلب سامعها إلى فهمها، قبل تمكن أذنه من وعيها.
اللطيفة التاسعة:
إتيانها {بِلِسَانِ} منكرا دون أن يقال: باللسان العربي المبين لما في التنكير من التعظيم، الذي لا يوفي به التعريف، كأنه قيل: «بلسان أي لسان» ، كما في قوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} . في نظائر كثيرة.
اللطيفة العاشرة:
حصول الشهادة بفضل هذا اللسان على كلا التقديرين، في قوله تعالى: {بِلِسَانِ} .
أما على تعلقه «بنزل» فظاهر من جهة أن الروح الأمين بلغ به القرآن المنذر لجميع من بلغه إلى يوم القيامة دون غيره. وأما على تعلقه «بالمنذرين» فكذلك لما في تخصيص الإنذار العام به من الإشادة بفخره، والإبانة عن عظيم فضله، والله أعلم.
{بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) }
(تكميل)
إذا تقرر بالعربية من ظهور الفضيلة، وتأكيد الطلب في نظر الشارع، فينبغي بعد ذلك النظر في حكم من زعم أنه لا يحتاج إلى لسان العرب، إذ لا خفاء أن ذلك يستلزم عدم الحاجة في زعمه، وقد سئل عن ذلك ابن رشد، وهل يلزمه شيء أو لا حسبما وقع في نوازله؟.