لذلك لما نزلت: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] "سأل سيدنا رسول الله جبريل عليه السلام:"أما لك من هذه الرحمة شيء يا أخي جبريل؟"فقال: نعم ، كنت أخشى سوء العاقبة كإبليس ، فلما أنزل الله عليك قوله: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ} [التكوير: 20] أمنْتُ العاقبة ، فتلك هي الرحمة التي نالتني".
وليس القرآن وحده تنزيلَ رب العالمين ، إما كل الكتب السابقة السماوية كانت تنزيلَ رب العالمين ، لكن الفرق بين القرآن والكتب السابقة أنها كانت تأتي بمنهج الرسول فقط ، ثم تكون له معجزة في أمر آخر تثبت صِدْقه في البلاغ عن الله .
فموسى عليه السلام كان كتابه التوراة ، ومعجزته العصا ، وعيسى عليه السلام كان كتابه الإنجيل ، ومعجزته إبراء الأكمة والأبرص بإذن الله ، أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان كتابه ومنهجه القرآن ومعجزته أيضاً ، فالمعجزة هي عَيْن المنهج . فلماذا؟
قالوا: لأن القرآن جاء منهجاً للناس كافّةً في الزمان وفي المكان فلا بد إذن أن يكون المنهج هو عَيْن المعجزة ، والمعجزة هي عَيْن المنهج ، وما دام الأمر كذلك فلا يصنع هذه المعجزة إلا الله ، فهو تنزيل رب العالمين .
أما الكتب السابقة فقد كانت لأمة بعينها في فترة محددة من الزمن ، وقد نزلتْ هذه الكتب بمعناها لا بنصِّها ؛ لذلك عيسى عليه السلام يقول:"سأجعل كلامي في فمه"أي: أن كلام الله سكيون في فم الرسول بنصِّه ومعناه من عند الله ، ما دام بنصِّه من عند الله فهو تنزيل رب العالمين .
ثم يقول الحق سبحانه: {نَزَلَ بِهِ الروح}
كان من الممكن أن يكون الوحي من عند الله إلهاماً أو نَفْثاً في الرَّوْع ؛ لذلك قال تعالى بعدها: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين} [الشعراء: 193] إذن: الأمر ليس نَفْثاً في رَوْع رسول الله بحكم ما ، إنما يأتيه روح القُدُس وأمين الوحي يقول له: قال الله كذا وكذا .