والمعنى: أي وهكذا دأبوا على التكذيب، فجازاهم بجنس ما طلبوا من إسقاط الكسف من السماء، فجعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم أخذ بأنفاسهم لم ينفعهم فيه ظل ولا ماء ولا شراب، فاضطروا أن يخرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردًا ونسيمًا، فاجتمعوا كلهم تحتها، فأمطرتهم شواظًا من نار فاحترقوا.
190 - {إِنَّ فِي ذَلِكَ} المذكور من قصة قوم شعيب {لَآيَةً} ؛ أي: لدلالة واضحة على صدق الرسل، أو المعنى: أي: إن في ذلك الإنجاء لكل رسول ومن أطاعه، والعذاب لكل من عصاه في كل العصور لدلالة واضحة على صدق الرسل. {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ} ؛ أي: أكثر أصحاب الأيكة، بل كلهم؛ إذ لم ينقل إيمان أحد منهم بخلاف أصحاب مدين، فإن جماعة منهم آمنوا. {مُؤْمِنِينَ} بالله سبحانه، وبرسوله شعيب عليه السلام، أو وما كان أكثر قومك يا محمد بمؤمنين مع أنك قد أتيتهم بما لا يكون معه شك من الدليل والبرهان، لو لم يكن لهم معرفة بك من قبل، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، وأغزرهم عقلًا، وأبعدهم عن كل ذي دنس.
191 - {وَإِنَّ رَبَّكَ} يا محمد {لَهُوَ الْعَزِيزُ} الغالب القادر على كل شيء. ومن عزته نصر أنبيائه على أعدائه. {الرَّحِيمُ} بالإمهال، فلا يعاجل العقوبة لمن استحقها.
وهذا آخر القصص السبع التي ذكرها الله سبحانه تسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتهديدًا للمكذبين له. وكل قصة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول، قد أتاهم من الله تعالى وما كان أكثرهم مؤمنين بعدما سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة، بأن لا يعتبروا بما في كل واحدة منها من الدواعي إلى الإيمان, والزواجر عن الكفر والطغيان، وبأن لا يتأملوا في شأن الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص على ما هي عليه، مع علمهم بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع شيئًا منها من أحد أصلًا، وصاروا كأنهم لم يسمعوا شيئًا يزجرهم عن الكفر والضلال واستمروا على ذلك.