وكان هذا اليوم من أَشد أَيام الدنيا عذابا لما وقع فيه من الهول المذهل، والداهية التامة التي لا يقادَرُ قدرها، وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة دون نفس الظلة إيذان بأَن لهم عذابًا آخر غير عذاب الظلة، ترك بيانه تهويلًا لشأْنه.
190 - {إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} :
أي إِن في هذه القصة وما سبقها من قصص الأنبياء السابقين لعظة وعبرة لمن له قلب واع، وفكر مستنير، وما كان أكثر قريش مؤمنين.
وقصة شعيب - عليه السلام - مع قومه هي آخر القصص السبع التي أوحيت للرسول - صلى الله عليه وسلم - لصرفه عن الحرص البالغ على إسلام قريش، وقطع رجائه بشأْنه لإعراضهم عن الحق واستمساكهم بالباطل، وإلى ذلك يشير مضمون ما مر في مطلع السورة الكريمة: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ. فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} فإن كل واحدة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول قد أتاهم من جهته - تعالى - بموجب رحمته الواسعة يدعوهم إلى ترك العناد
بعد ما سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة، وفيها من الدواعي إلى الإيمان, والزواجر عن الكفر والطغيان ما يصرفهم عما هم عليه، ولكنهم أعرضوا عن التأَمل فيها واستمروا على تكذيبهم: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} كأنهم لم يسمعوا شيئًا منها يردعهم عن ذلك أصلًا ويحبب إليهم الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويزينه في قلوبهم، ومن كان أَمرهم علي ذلك فلا تبالغ في الحرص على إيمانهم.
وقيل: المراد بالضمير في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} قوم شعيب - عليه السلام - نُقل أَنه لم يؤمن به سوى تسعمائة نفر، ذكر ذلك القرطبي في تفسيره، والله أعلم بصحة ذلك.
191 - {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} :
فهو - سبحانه - العزيز في انتقامه من الكفار، الرحيم في ثوابه بعباده المؤمنين. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...