لأنه أحسن في الأولى فرقى إلى أعلى منه . كما لو دخل رجل بيتك وشاهد ما عندك من نعيم ، ففرح لما أنت فيه ، وقال: ما شاء الله تبارك الله ، ودعا لك بالزيادة ، فلما رأيت منه ذلك قلت له إذن: تعالى أريك ما هو أعظم .
كذلك العبد الصالح الذي عبد الله وتقرَّب إليه بمنهج موسى عليهما السلام ، فلما استقام على هذا المنهج وتعمَّق في عبادة الله وطاعته أعطاه الله من علمه اللدنيّ دون واسطة ودون رسول ، حتى كان هو مُعلِّماً لموسى عليه السلام .
ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ . .} [المؤمنون: 88] يجير: تقول: استجار بفلان فأجاره يعني: استغاث به فأغاثه ، ومنه قوله تعالى: {وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ . .} [الأنفال: 48] والإنسان لا يستجير بغيره إلا إذا ضعُفَتْ قوته عن حمايته ، فيلجأ إلى قوي يحميه ويدافع عنه .
إذن: هذه المسألة لها ثلاثة عناصر: مجير ، وهو الذي يقبل أن يغيثك ويحتضنك ويدافع عنك .
ومُجَار: وهو الضعيف الذي يطلب الحماية . ومُجَار عليه: وهو القوي الذي يريد أن يبطش . ومن المعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف وبعد أنْ فعلوا به صلى الله عليه وسلم ما فعلوا استجار ، ودخل في حمى كافر .
فالحق - سبحانه وتعالى - يجير مَنِ استجار به ، ويغيث مَن استغاثة لكن {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ . .} [المؤمنون: 88] لأن الذي يجيرك إنما يجيرك من مساوٍ له في القوة ، فيستطيع أن يمنعك منه ، ويحميك من بطشه ، فَمنْ ذا الذي يحميك من الله؟ ومَنْ يجيرك إنْ كان الله هو طالبك؟!
لذلك يقول سبحانه في مسألة ابن نوح: {قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ . .} [هود: 43] فالله - عز وجل - يجير على كل شيء ، ومن أصبح وأمسى في جوار ربه فلا خوف عليه .