وتلحظ هنا العلاقة بين صَدْر هذه الآية وعَجُزها: فالله تعالى بيده وفي قبضته سبحانه كل شيء ، والأمر كله إليه ، فإياك أنْ تظن أنك تلفت من قبضته بالنعمة التي أعطاك ؛ لأنه سبحانه قادر أن يسلبك إياها ، وساعتها لن يجيرك أحد ، ولن يغيثك من الله مغيث ، ولن يعصمك من الله عاصم .
ثم قرأ قوله تعالى: {قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] .
وهنا أيضاً يقول سبحانه: {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون: 88] إنْ كان عندكم علم بهذه المسألة ووصلت إليكم وعاينتموها .
ثم يقول الحق سبحانه عنهم: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ} .
ففي هذه أيضاً يقولون"لله"؛ لأنه واقع ملموس لا يُنكَر ، وطالما أن الأمر كذلك {فأنى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 89] كيف تسحرون أو أسُحِرتم عن هذا الواقع وصُرِفتم عنه إلى هذا الكلام الباطل؟
هذه قضايا ثلاث جاءت على صورة سؤال لتدينهم بوضوح العقيدة في الوجود الأعلى ، وبوضوح البينات في إعجاز البلاغ عن الله ، وبوضوح الآيات في آيات المنهج ، وقد أراد الحق سبحانه أن يأتي الكلام منهم وبإقرارهم هم على أنفسهم ؛ ليكون حجة وشهادة حَقٍّ عليهم .
ومعلوم أن الإقرار سيد الأدلة ؛ لذلك سألهم: {قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ . .} [المؤمنون: 84] .
{قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم} [المؤمنون: 86] .
{قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ . .} [المؤمنون: 88] .
وهم يقولون في هذا كله (لله) إذن: فماذا بقي لكم؟ ما الذي منعكم أن تتقوا الذي تؤمنون بأنه المالك للأرض وللسماء وبيده كل شيء؟ إنه مجرد استكبار وعناد وغطرسة ، وإلا فماذا تعني كلمة (الله) التي تنطقون بها؟