وقد قيل إن هذا مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام ويكون بمنزلة قول الله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه} ويكون قوله تعالى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} مطابقا لقوله تعالى: {أَطْفَأَهَا اللَّهُ} ويكون تخييبهم وإبطال ما راموه هو تركهم فِي ظلمات الحيرة لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ولا يبصرون سبيلا بل هم صم بكم عمي ، وهذا التقدير وإن كان حقا ففي كونه مرادا بالآية نظر ، فإن السياق إنما قصد لغيره ويأباه قوله تعالى {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا ، ويأباه قوله تعالى {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} وموقد نار الحرب لا نور له ويأباه قوله تعالى {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ} وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة إلى ظلمة الشك والكفر. قال الحسن رحمه الله: هو المنافق
أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر ولهذا قال {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أي لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه ، وقال تعالى فِي حق الكفار {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} فسلب العقل عن الكفار إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان ، وسلب الرجوع عن المنافقين لأنهم آمنوا ثم كفروا فلم يرجعوا إلى الإيمان.
فصل