وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسْتَوْقِدَ الْمُسْتَرْشِدَ تَكُونُ لَهُ حَالَةٌ مَعَ اللهِ تَعَالَى مَرْضِيَةٌ فِي التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ وَقَصْدِ اتِّبَاعِ هُدَاهُ ، وَالِاسْتِضَاءَةِ بِنُورِهِ الَّذِي وَهَبَهُ إِيَّاهُ ، فَإِذَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ وَذَهَبَ بِنُورِهِ ، وَإِذَا ذَهَبَ النُّورُ لَا يَبْقَى إِلَّا الظُّلْمَةُ ، وَمَا كَانَ هَؤُلَاءِ فِي ظُلْمَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَكِنَّهَا ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ، مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِ التَّقَالِيدِ الَّتِي فُتِنُوا بِهَا ، وَبِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ الَّتِي أَعْرَضُوا عَنْهَا ، وَلِذَلِكَ قَالَ:
(وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) شَيْئًا . حَذَفَ مَفْعُولَ يُبْصِرُونَ إِيذَانًا بِالْعُمُومِ ، أَيْ لَا يُبْصِرُونَ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِ الْهِدَايَةِ وَلَا يَرَوْنَ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِهَا لِأَنَّهُ صَرَفَ عِنَايَتَهُ عَنْهُمْ بِتَرْكِهِمْ سُنَّتَهُ وَإِهْمَالِهِمْ هِدَايَتَهُ وَوَكَلَهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَيَا وَيْلَ مَنْ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ وَحَرَمَهُ تَوْفِيقَهُ ، نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ .