(الْأَوَّلُ) : مَنْ آتَاهُمُ اللهُ دِينًا وَهِدَايَةً عَمِلَ بِهَا سَلَفُهُمْ فَجَنَوْا ثَمَرَهَا ، وَصَلَحَ حَالُهُمْ بِهَا أَيَّامَ كَانُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلَى الطَّرِيقَةِ ، آخِذِينَ بِإِرْشَادِ الْوَحْيِ ، وَاقِفِينَ عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَكِنَّهُمُ انْحَرَفُوا عَنْ سُنَنِ سَلَفِهِمْ فِي الْأَخْذِ بِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي حَقَائِقِ مَا جَاءَهُمْ بَلْ ظَنُّوا أَنَّ مَا كَانَ عِنْدَ سَلَفِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ وَسَعَادَةٍ إِنَّمَا كَانَ أَمْرًا خُصُّوا بِهِ ، أَوْ خَيْرًا سِيقَ إِلَيْهِمْ ، لِظَاهِرِ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ امْتَازُوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ بِدِينِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ لَمْ يُخَالِطْ سَرَائِرَهُمْ ، وَلَمْ تَصْلُحْ بِهِ ضَمَائِرُهُمْ ، فَأَخَذُوا بِتَقَالِيدَ وَعَادَاتٍ لَمْ تَدَعْ فِي نُفُوسِهِمْ مَجَالًا لِغَيْرِهَا ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا قَطُّ فِي كَوْنِهِمْ أَحْرَى بِالتَّمَتُّعِ بِتِلْكَ السَّعَادَةِ وَالسِّيَادَةِ مِنْ سَلَفِهِمْ ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَوْجُودِ أَيْسَرُ مِنْ إِيجَادِ الْمَفْقُودِ ، بَلْ لَمْ يُبِيحُوا لِأَنْفُسِهِمْ فَهُمَ الْكِتَابِ الَّذِي اقْتَدَى مِنْ قَبْلِهِمْ بِمَا فِيهِ شُمُوسُ الْعِرْفَانِ وَنُجُومُ الْفُرْقَانِ ، لِزَعْمِهِمْ: أَنَّ فَهْمَهُ لَا يَرْتَقِي إِلَيْهِ إِلَّا أَفْرَادٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الدِّينِ ، يُؤْخَذُ بِأَقْوَالِهِمْ مَا وَجَدُوا ، وَبِكُتُبِهِمْ إِذَا فَقَدُوا .
فَمَثَلُ هَذَا الْفَرِيقِ مِنَ الصِّنْفِ الْمَخْذُولِ - فِي فَقْدِهِ لِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ نُورِ الْهِدَايَةِ الدِّينِيَّةِ ، وَحِرْمَانِهِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ بِهَا بِالْمَرَّةِ ، وَانْطِمَاسِ الْآثَارِ دُونَهَا عِنْدَهُ - مَثَلُ مَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا إِلَخْ .