"فهم لا يَرْجعون"، أي: فلا يرجعون إلى الهدَى ولا إلى خير، فلا يصيبون نَجاةً مَا كانوا على مَا هم عليه.
وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوة بخلافه. وذَلك أن الله جلّ ثناؤه أخبرَ عن القوم أنهم لا يَرجعون - عن اشترائهم الضلالة بالهدى - إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق، من غير حَصْرٍ منه جلّ ذكره ذلك من حالهم على وقت دون وقت وحال دون حال. وهذا الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس، يُنبئ أنّ ذلك من صفتهم محصورٌ على وقت وهو ما كانوا على أمرهم مقيمين، وأنّ لهم السبيلَ إلى الرجوع عنه. وذلك من التأويل دعوى بَاطلة، لا دلالة عليها من ظاهر ولا من خبرٍ تقوم بمثله الحجة فيسلم لها.
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) }
قال أبو جعفر: والصّيِّب الفَيْعِل من قولك: صَاب المطر يَصوب صَوبًا، إذا انحدَر وَنزَل، كما قال الشاعر:
فَلَسْتُ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ
وكما قال علقمة بن عَبَدَة:
كَأَنَّهمُ صَابَتْ عَلَيْهِمْ سَحَابَةٌ ... صَوَاعِقُهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيبُ
فَلا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبين مُغَمَّرٍ، ... سُقِيتِ رَوَايَا الْمُزْنِ حين تَصُوبُ
يعني: حين تنحدر. وهو في الأصل"صَيْوِب"، ولكن الواو لما سَبقتها ياء ساكنة، صيرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّد، من ساد يسود، وجيِّد، من جاد يجود. وكذلك تفعل العربَ بالواو إذا كانت متحركة وقبلها ياء ساكنة، تصيِّرهما جميعًا ياءً مشددةً.
وبما قلنا من القول في ذلك قال أهل التأويل.
عن ابن عباس في قوله"أو كصيِّب من السماء"، قال: القطر.
قال عطاء: الصيّب، المطرُ.