الأولى: قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} يعني اتخاذ الدروع بإلانة الحديد له ، واللبوس عند العرب السلاح كله ؛ درعاً كان أو جَوْشناً أو سيفاً أو رمحاً.
قال الهُذَلي يصف رمحاً:
ومَعِي لَبُوسٌ لِلْبَئيسِ كأَنَّهُ ...
رَوْقٌ بجبهة ذِي نِعَاجٍ مُجْفِلِ
واللبوس كل ما يلبس ، وأنشد ابن السكيت:
الْبَسْ لكلِّ حالةٍ لَبُوسَهَا ...
إمّا نَعيمَهَا وإمّا بُوسَهَا
وأراد الله تعالى هنا الدّرع ، وهو بمعنى الملبوس نحو الرّكوب والحلوب.
قال قتادة: أوّل من صنع الدروع داود.
وإنما كانت صفائح ، فهو أوّل من سردها وحلقها.
الثانية: قوله تعالى: {لِتُحْصِنَكُمْ} ليحرزكم.
{مِّن بَأْسِكُمْ} أي من حربكم.
وقيل: من السيف والسهم والرمح ، أي من آلة بأسكم فحذف المضاف.
ابن عباس:"مِنْ بَأسِكُمْ"من سلاحكم.
الضحاك: من حرب أعدائكم.
والمعنى واحد.
وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وحفص وروح"لِتُحْصِنَكُمْ"بالتاء رداً على الصنعة.
وقيل: على اللبوس والمنعة التي هي الدروع.
وقرأ شيبة وأبو بكر والمفضل ورويس وابن أبي إسحاق"لِنُحْصِنَكُمْ"بالنون لقوله:"وَعَلَّمْنَاهُ".
وقرأ الباقون بالياء جعلوا الفعل للبوس ، أو يكون المعنى ليحصنكم الله.
{فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} أي على تيسير نعمة الدروع لكم.
وقيل:"هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ"بأن تطيعوا رسولي.
الثالثة: هذه الآية أصل في اتخاذ الصنائع والأسباب ، وهو قول أهل العقول والألباب ، لا قول الجهلة الأغبياء القائلين بأن ذلك إنما شرع للضعفاء ، فالسبب سنة الله في خلقه فمن طعن في ذلك فقد طعن في الكتاب والسنة ، ونسب من ذكرنا إلى الضعف وعدم المنة.
وقد أخبر الله تعالى عن نبيه داود عليه السلام أنه كان يصنع الدروع ، وكان أيضاً يصنع الخوص ، وكان يأكل من عمل يده ، وكان آدم حراثاً ، ونوح نجاراً ، ولقمان خياطاً ، وطالوت دباغاً.