الرابعة عشرة: ذهب مالك وجمهور الأئمة إلى القول بحديث البراء ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ ، وأن البهائم ، إذا أفسدت زرعاً في ليل أو نهار أنه لا يلزم صاحبها شيء ، وأدخل فسادها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"جُرح العجماء جُبَار"فقاس جميع أعمالها على جرحها.
ويقال: إنه ما تقدم أبا حنيفة أحد بهذا القول ، ولا حجة له ولا لمن اتبعه في حديث العجماء ، وكونه ناسخاً لحديث البراء ومعارضاً له ؛ فإن النسخ شروطه معدومة ، والتعارض إنما يصح إذا لم يمكن استعمال أحدهما إلا بنفي الآخر ، وحديث"العجماء جرحها جبار"عموم متفق عليه ، ثم خص منه الزرع والحوائط بحديث البراء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاء عنه في حديث واحد: العجماء جرحها جبار نهاراً لا ليلاً وفي الزرع والحوائط والحرث ، لم يكن هذا مستحيلاً من القول ؛ فكيف يجوز أن يقال في هذا متعارض؟! وإنما هذا من باب العموم والخصوص على ما هو مذكور في الأصول.