وإِما أَن تكون (أمْ) بمعنى بل والهمزة، فكأنه قيل: بل اتَّخَذُوا، وتكون (بل) للإضراب الانتقالى عن النقاش السابق، إلى تقريع الكفار وتوبيخهم على اتخاذ آلهة عاجزين.
والمعنى على هذا: بل أتَّخَذَ المشركون آلهة من هذه الأرض هم يعيدون الموتى إلى الحياة، كلاَّ فهم أَعجز ما يكونون عن ذلك.
وعلى أَي التقديرين في تفسير حرف (أَمْ) فمآل المعنى واحد كما هو واضح مما قدرنا ووصف آلهتهم التي اتخذوها بكونها من الأرض لتحقيرها، وتوبيخ عابديها على تركهم رب السماوات والأرض الذي هو يحيى ويميت إلى آلهة حقيرة لا قدرة لها على إحياء الموتى.
22 - {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} :
بعد أَن بين الله فيما تقدم هوان آلهتهم وعجزها، ووبخهم على عبادتها معه سبحانه جاءَت هذه الآية الكريمة، لكي تقيم الدليل العقلى على وحدانيته تعالى.
والمعنى: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله تدبر شئونهما وتصرف أَمرهما لفسدتا؛ وذلك لأن شأن التعدد الاختلاف والتغالب، وأَن يفسد كل من الآلهة عمل الآخر، وبما أن المشاهد هو صلاح السماوات والأرض وبقاؤهما منذ بدء الخليقة على هذا النظام البديع والتدبير المحكم، فإن ذلك يدل أَوضح دلالة على أن خالقهما ومدبرهما هو إِله واحد.
والآية الكريمة تشير إلى برهان عقلى يسمى برهان التمانع والتعارض بين إِرادات الآلهة المتعددين، وشاهد صحة هذا البرهان في الحياة، أَن الأمة لا يصلح أَمرها إلا بملك واحد، فإن تعددت ملوكها فسد الأمر فيها، والجسد الواحد لا يصلح أَمره إِلا بقلب واحد، فإِنْ تعددت القلوب فسد الجسم، ولهذا قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} كما أن الأسرة لا يصلح أمرها إِلا برئيس واحد، فإن تعدد الرؤساءُ فيها فسد، والمصنع لا يديره إِلا رئيس واحد، فإن تعدد رؤساؤه تعارضوا وفسد الأمر فيه، وهكذا كل أَمر في الحياة لا يصلح إِلا بإرادة واحدة رشيدة فعالة مسيطرة، ليس لها معارض يفسد عليها تدبيرها، ولهذا نزه الله تعالى نفسه عما يقوله المشركون عن شركائهم بقوله في نهاية الآية: