والمعنى: ولله من في السماوات والارض من سكانهما، وما فيهما من سائر المخلوقات، له تعالى كل ذلك خلقًا وملكًا وتصرفًا وتدبيرًا، وإحياءً وإماتة وتعذيبًا وإثابة، دون شريك له فيه، ومَنْ عنده في مكانة الشرف والكرامة من الملائكة، لا يستكبرون عن عبادته وطاعته في كل ما يأْمرهم به، ولا يَمَلُّون ولا يتعبون، فأى حاجة لله تعالى في أن يتخذ ولدًا وهو تام الاستغناءِ عن الولدية، وأَى ضرر أَصابه بعبادتكم لغيره؟ والتعبير عن الملائكة بأَنهم عنده سبحانه، على سبيل التمثيل بِجَعْلِ منزلتهم في الشرف ورفعة الجاه كمنزلة المقربين مكانًا من الملوك، ونَفْيُ استكبارهم عن العبادة، مشعِرٌ بالتعريض بمن كفر من الناس واستكبر على عبادته.
ولما بين الله في هذه الآية أَن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته الشاملة لكل أَنواع الخضوع لأوامره وتعظيمه وتنزيهه، عقبها بالتنويه بحال من أحوال عبادتهم فقال سبحانه:
20 - {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} :
فقد بين سبحانه في هذه الآية حالا من أَحوال خضوع الملائكة لله، وأَنهم لا تشغلهم عبادته والخضوع له فيما يأْمرهم به من شئون الكون عن دوام تسبيحه.
والمعنى: ومَنْ عند الله من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته والخضوع لأَوامره، فهم يسبحونه ليلا ونهارًا لا ينقطعون، والمقصود من ذكر الليل والنهار الدوام، سواءٌ كان عندهم ليل ونهار أَو لم يكن، ولا يمنعهم هذا التسبيح الدائم من قيامهم بما يكلفهم الله به، قال تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} . فالتسبيح لهم بمنزلة التنفس لا يشغلهم عنه شاغل.
21 - {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} :
بهذه الآية بدأَ التقريع والتوبيخ لمن اتخذوا آلهة لهم غير الله تعالى، وحرف (أَمْ) هنا إِما بمعنى (هل) الاستفهامية الإنكارية - كما جنح إِليه بعض المفسرين - والإنشار بمعنى الإحياءِ.
والمعنى على هذا: هل اتخذ المشركون آلهة من الأرض همْ يُنْشِرون الموتى، ويعيدونهم أَحياءً، كلا فإِنهم لا يقدرون أَن يدفعوا الفناءَ عن أنفسهم، فكيفْ ينْشِرُون غيرهم ويحيونهم، فلماذا عبدوهم؟