ثم وفينا بوعدنا لرسلنا السابقين بالنصر على عدوهم، وحقت كلمتنا لهم، فأخذنا الأُمم الذين عصوهم وعتوا عن أَمر ربهم بالعذاب بعد أَن أجبناهم إلى الآيات التي طلبوها فكفروا بها، فأَنجينا رسلنا ومن أَردنا نجاته من المؤمنين - أَنجيناهم مما أخذنا به أممهم الكافرة، وفي ذلك يقول الله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} . وأَهلكنا الذين أَسرفوا على أنفسهم بالكفر والتمادى في الضلال، هذه أنباءُ من قبلكم وتلك عاقبتهم فما لكم تعرِّضون أنفسكم لمثل ما نزل بهم بانتهاجكم نهجهم، وسيركم في طريقهم.
10 - {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ } الآية.
التنوين في {كِتَابًا} للتعظيم، والمعنى: لقد أنزلنا على رسولنا كتابًا عظيمًا، فيه تذكير وموعظة لكم، كما أن فيه عزكم وشرفكم، إن آمنتم به، وصدقتم من بلَّغه، كما قال سبحانه: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} : أَي شرف لمن اتبعه، وعمل بما جاءَ به.
{أَفَلَا تَعْقِلُونَ} : الاستفهام للإنكار والتوبيخ، أَي ألا تتفكرون فلا تعقلون، وفيه معنى الأمر، أَي تَفَكَّروا لكي تدركوا فيم يكون خيركم؟ وفيه الإشارة إلى أَن من أعرض عما جاء به الرسول فلم يُعْمِلْ عقله فيه، ولم يتدبر أمره، موسوم بعدم التعقل وقلة التبصر، وهو ما لا يليق بعاقل، ومثله في المعنى قوله تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} . وهل يعرض عن داعية الشرف والاتعاظ عاقل؟
11 - {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} :
هذه الآية وما بعدها لتفصيل ما أُجمل في قوله تعالى: {وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} وبيان لكيفية إهلاكهم.