وبذلك يتبين أن هذه الآية استدلال على استحالة وجود آلهة غير الله بعد خلق السماوات والأرض لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله هو خالق السماوات والأرض ، قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} في سورة [الزمر: 38] ، وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} في سورة الزخرف (9) .
فهي مسوقة لإثبات الوحدانية لا لإثبات وجود الصانع إذ لا نزاع فيه عند المخاطبين ، ولا لإثبات انفراده بالخلق إذ لا نزاع فيه كذلك ، ولكنها منتظمة على ما يناسب اعتقادهم الباطل لكشف خطئهم وإعلان باطلهم.
والفساد: هو اختلال النظام وانتفاء النفع من الأشياء.
ففساد السماء والأرض هو أن تصيرا غير صالحتين ولا منتسقتي النظام بأن يبطل الانتفاع بما فيهما.
فمن صلاح السماء نظام كواكبها ، وانضباط مواقيت طلوعها وغروبها ، ونظام النور والظلمة.
ومن صلاح الأرض مهدها للسير ، وإنباتها الشجرَ والزرع ، واشتمالها على المرعى والحجارة والمعادن والأخشاب ، وفساد كل من ذلك ببطلان نظامه الصالح.
ووجه انتظام هذا الاستدلال أنه لو تعددت الآلهة للزم أن يكون كل إله متصفاً بصفات الإلهية المعروفةِ آثارها ، وهي الإرادة المطلقة والقدرة التامة على التصرف ، ثم إن التعدد يقتضي اختلاف متعلقات الإرادات والقُدَر لأن الآلهة لو استوت في تعلقات إراداتها ذلك لكان تعدد الآلهة عبثاً للاستغناء بواحد منهم ، ولأنه إذا حصل كائن فإن كان حدوثه بإرادة متعددين لزم اجتماع مؤثريْن على مؤثّر واحد وهو محال لاستحالة اجتماع علتين تامتين على معلول واحد.
فلا جرم أن تعدد الآلهة يستلزم اختلاف متعلقات تصرفاتها اختلافاً بالأنواع ، أو بالأحوال ، أو بالبقاع ، فالإله الذي لا تنفذ إرادته في بعض الموجودات ليس بإله بالنسبة إلى تلك الموجودات التي أوجدها غيره.