وأما قوله بل فعله كبيرهم هذا فإنه علق خبره بشرط نطقه كأنه قال: إن كان ينطق فهو على طريق التبكيت لقومه وقوله لسارة: هذه أختي، أي في الدين والإيمان قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فكل هذه الألفاظ صدق في نفسها ليس فيها كذب.
«فإنْ قلتَ» : قد سماها النبي صلّى الله عليه وسلّم كذبات بقوله: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات) وقال في حديث الشفاعة (ويذكر كذباته) ؟
قلت: معناه أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب، وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه الصلاة والسلام منها بمؤاخذته بها قال البغوي: وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم، والأولى هو الأول للحديث، ويجوز أن يكون الله أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال:
(أيتها العير إنكم لسارقون) ولم يكونوا سرقوا.
قال الإمام فخر الدين الرازي: وهذا القول مرغوب عنه، والدليل القاطع عليه أنه لو جاز أن يكذب لمصلحة ويأذن الله فيه فلنجوز هذا الاحتمال في كل ما أخبر الأنبياء عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع ويطرق التهمة إلى كلها، والحديث محمول على المعاريض، فإنه فيها مندوحة عن الكذب.
(وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ)
وخصهما بالذكر لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.
(وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها ...(81)
«فإنْ قلتَ» : قد وصفها الله بالرخاء وهي الريح اللينة؟
قلت: كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانتْ.
(وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ(83)