"وَإِنْ أَدْرِي"وما أدري"لَعَلَّهُ"أي تأخير العذاب عنكم"فِتْنَةٌ لَكُمْ"امتحان واختبار يختبركم به اللّه لتعلموا أنتم وليعلم بعضكم بعضا أن الحجة عليكم ، وإلا فإن اللّه تعالى عالم بما هو واقع منكم قبل وقوعه ، وما أدري هل هذا الإمهال استدراج تغترون به"وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ"111 معلوم عنده تتمتعون به أياما قليلة ، ثم يريكم سوء صنيعكم قبيح عملكم وخبث فعلكم"قالَ"وقرئ قل يا أكمل الرسل"رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ"بيني وبينهم واللّه تعالى يحكم بالحق بين جميع خلقه على السواء ، ومعنى هذا الطلب ظهور الرغبة من الطالب وإعلام المطلوب أنه لا يريد غير الحق من ربه ، لتطمئن نفسه بأن إلهه لا يحب إلا طلب الحق ، ولكن طلب الرسول هذا يفيد الاستعجال ، بنزول العذاب بقومه لما رأى من تضاعف عنادهم وتكاثر عتوهم وتوالي أذيتهم له ولقومه وتطاولهم على دينه وكنابه وإن اللّه تعالى قد أقر عينه فيهم ، إذ عذبهم في واقعة بدر ، وقهرهم في فتح مكة في الدنيا ، ولعذاب الآخرة المخبوء لهم أشد وأدهى ، كما أنه أقر عينه بمن آمن منهم ، لأن إيمانهم أحب إليه من كل شيء"وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ"به"عَلى ما تَصِفُونَ"112 به حضرته المقدسة من الشرك وتصمونه من التكذيب وتوقعونه بنبيه وأصحابه من الأذى والإهانة ولا عون لرسوله عليكم غيره ، أضاف صلّى اللّه عليه وسلم لفظ الرب لنفسه وحده ، لأنه في معرض الدعاء
والدعاء من وظائفه الخاصة.
وأضافه ثانيا له ولأصحابه لأنه في معرض طلب العون والغوث والرحمة ، وهي من الوظائف العامة به وبهم ، وقرئ (يصفون) بالياء أيضا ، وفي ذكر صفوة الخلق وما يتعلق به بختام هذه السورة بهذه الجملة التي لا توجد سورة مختومة بها طيب تضوع منه المسك ، كما أن ما بدئت به من أحوال القيامة هول تنفطر له الأجساد ، وما بينهما آيات وعظات عظيمة وعبر وأخبار فخيمة ما وراءها وراء.