ثم يقول تعالى: {فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ} [طه: 88] أي: نسي السامري خميرة الإيمان في نفسه ، ونسي أن هذا العمل خروجٌ عن الإيمان إلى الكفر ، ولَيْتَه يكفر في ذاته ، إنما هو يكفر ويُكفِّر الناس . لا بُدَّ أنه نسي ، فلو كان على ذُكْر من الإيمان ومن عاقبه عمله وخيبة ما أقدم عليه ما فعل .
ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ}
أي: كيف يعبدون هذا العجل ، وهو لا يردّ عليهم جواباً ، ولا يملك له شيئاً ، كما قال تعالى في آية أخرى: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 6973] .
فَمنْ كان لديه ذرة من عقل لا يُقدم على هذه المسألة ؛ لذلك فالحق سبحانه يناقش هؤلاء: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} [البقرة: 28] .
أي: أخبرونا بالطريق الذي يحملكم على الكفر ، كأنها مسألة عجيبة لا يقبلها العقل ولا يُقرُّها . ألم يخطر ببال هؤلاء الذين عبدوا العجل أنه لا يردّ عليهم إنْ سألوه ، ولا يملك لهم ضَرَّاً إنْ كفروا به ، ولا نفعاً إن آمنوا به وعبدوه .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ}
وكان هارون عليه السلام خليفة لأخيه في غَيْبته ، كما قال تعالى: {وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هَارُونَ اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين} [الأعراف: 142] .
اخْلُفْنِي واعمل الصالح ، فكان هذا تفويضاً من موسى لأخيه هارون أن يقضي في القوم بما يراه مناسباً ، وأنْ يُقدِّر المصلحة كما يرى . وقد شُفِع هذا التفويض لهارون أمام أخيه بعد ذلك .