إذا أُطلِقَتْ الزينة تنصرف عادةً إلى الذهب ، والقَذْف هو الرَّمْي بشدة ، وكأن الرامي يتأفَف أنْ يحمل المرميّ ، وفي ذلك دلالة على أن بني إسرائيل ما يزال عندهم خميرة إيمان فتألموا وحزنوا لأنهم لم يردُّوا الأمانات إلى أهلها .
لذلك دخل عليهم السامري من هذه الناحية ، فأفهمهم: إنكم لن تبرأوا من هذه المعصية إلا أنْ ترمُوا بهذه الزينة في النار ، وهو يقصد شيئاً آخر ، هو أنْ ينصهر الذهب ، ويُخرِج ما فيه من الشوائب {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري} [طه: 87] أي: ألقى ما معه من الحُليّ ، لكن فَرْق بين القَذْف والإلقاء ، الإلقاء فيه لُطْف وتمهُّل ، فهو كبيرهم ومُعلِّمهم .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ...}
أي: أخرج لهم من هذا الذهب المنصهر {عِجْلاً جَسَداً} [طه: 88] كلمة جسد وردتْ أيضاً في القرآن في قصة سليمان عليه السلام ، حيث قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 34] .
وقد أعطى الله سليمان مُلْكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده ، فسخَّر له الطير والجنَّ والإنس والريح يأتمرون بأمره ، ويبدو أنه أخذه شيء من الزَّهْو أو الغرور ، فأراد الحق سبحانه أنْ يلفته إلى مانح هذا الملْك ويُذكِّره بأن هذا الملْك لا يقوم بذاته ، إنما بأمر الله القادر على أن يُقعِدك على كُرسيِّك جسداً ، لا حركة فيه ولا قدرة له حتى على جوارحه وذاته .
كما ترى الرجل والعياذ بالله قد أصابه شلل كُليٌّ أقعده جسداً ، لا حركة فيه ، ولا إرادةَ على جوارحه ، فإذا لم تكن له إرادة على جارحة واحدة من جوارحه ، أفتكون له إرادة على الخارج عنه من طير أو إنس أو جن؟
فلا تغتر بأنْ جعل الله لك إمْره على كل الأجناس ؛ لأنه قادر أنْ يسلبكَ هذا كله .