مع ما بعد جملة قسمية مؤكدة لما سبق من الإنكار والتشنيع ببيان عتوهم واستعصائهم على الرسول إثر بيان مكابرتهم لقضية العقول أي وبالله لقد نصح لهم هارون ونبههم على كنه الأمر من قبل رجوع موسى عليه السلام إليهم وخطابه إياهم بما ذكر من المقالات ، وإلى اعتبار المضاف إليه قبل ما ذكر ذهب الواحدي ، وقيل: من قبل قول السامري {هذا إلهكم وإله موسى} [طه: 88] كأنه عليه السلام أول ما أبصره حين طلع من الحفيرة تفرس فيهم الافتتان فسارع إلى تحذيرهم ، واختاره صاحب الكشف تبعاً لشيخه وقال: هو أبلغ وأدل على توبيخهم بالإعراض عن دليل العقل والسمع في {أَفَلاَ يَرَوْنَ} [طه: 89] واختار بعضهم الأول وادعى أن الجواب يؤيده ، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في ذلك.
وجوز العلامة الطيبي في هذه الجملة وجهين كونها معطوفة على قوله تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ} [طه: 89] وقال: إن في إيثار المضارع فيه دلالة على استحضار تلك الحالة الفظيعة في ذهن السامع واستدعاء الإنكار عليهم ، وكونها في موضع الحال من فاعل {يَرَوْنَ} [طه: 89] مقررة لجهة الإنكار أي أفلا يرون والحال أن هارون نبههم قبل ذلك على كنه الأمر ، وقال لهم: {قَبْلُ يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} أي أوقعتم في الفتنة بالعجل أو أضللتم على توجيه القصر المستفاد من كلمة {إِنَّمَا} في أغلب استعمالاتها إلى نفس الفعل بالقياس إلى مقابله الذي يدعيه القوم لا إلى قيده المذكور بالقياس إلى قيد آخر على معنى إنما فعل بكم الفتنة لا الإرشاد إلى الحق لا على معنى إنما فتنتم بالعجل لا بغيره ، وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن} بكسر همة {إن} عطفاً على {إِنَّمَا} الخ إرشاد لهم إلى الحق أثر زجرهم عن الباطل.
والتعرض لعنوان الربوبية والرحمة للاعتناء باستمالتهم إلى الحق.
وفي ذلك تذكير لتخليصهم من فرعون زمان لم يوجد العجل.