وقبل ذلك كله كيف يمكن أن يَتَّهِم عاقلٌ هارونَ عليه السلام بأنه هو صانع العجل، وهو نبي كريم أرسله الله للدعوة إلى الوحدانية؟
إن ذلك الاتهام ليس له من معنى سوى إنه سبحانه لم يحسن الاختيار، إذ انتقى شخصاً لتأدية مهمة ما، فإذا به يرسب في أول امتحان، ثم هو مع ذلك يظل متمسكاً به بل يأمر بقتل كل من اشترك في عبادة العجل ويُعْفِى الرأس الأكبر الذي تولَّى كِبْر الجريمة فصنع العجل وبنى له المذبح وأشرف على عملية الطواف والرقص العاري حوله في صخب وعُهْر! ولكن متى كان للقوم عقول يفكرون بها أو حتى آذان يسمعون بها؟
ومُضِياً مع تنطعه يفتعل العبد الفاضي مشكلةً من لا مشكلة، إذ يقول:"جاء في سورة"القصص"/76، 81: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ .... فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ} ، ومعروف أن قارون القرآن هو كروسوس ملك ليديا (560 - 546 ق. م.) "
وهو عَلَمٌ على الغِنَى بين العرب وغيرهم. ولا يوجد ما يبرّر خلطة بقُورَح الذي ورد ذكره في التوراة، فلا علاقة لقارون بقورح الذي ثار مع داثان وأبيرام على موسى ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم (العدد/ 16) " (ص 47) ."
وكَنْساً لهذه الفضلات الفكرية نطرح السؤال التالي: من قال لهذا المتنطع إن القرآن بحديثه عن قارون هنا إنما كروسوس ملك ليديا؟ هل أطلعه الله على مراده وصّرح له بأنه، وإن قال في الآية الكريمة إنه كان من قوم موسى، فهو لا يقصد ذلك فعلاً بل هدفه تضليل أتباع محمد، أما الصواب فهو إنه الملك كروسوس؟ لقد عبث القوم بكتبهم وألفُوا كلاماً سخيفاً وعَزَوه إلى الله، والآن يحسبون بجهلهم أنهم يستطيعون أن يلعبوا نفس اللعبة القذرة مع القرآن الكريم! لقد قال الله تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} ، ثم ذكر بَغْيَه على قومه وكيف انتهى أمره بأنْ خَسَفَ الله به وبداره الأرض وجعله عبرةً لمن يعتبر.
وهذه القصة موجودة في العهد العتيق، وإن لم ينسب مؤلفها تمرد قارون إلى كثرة كنوزه بل إلى رغبته في مشاركة هارون الكهانة. والمعروف أن كتب القوم قد ضاعت بعد موسى بأجيال وكتبها لهم عزراً من الذاكرة، أما القرآن فكان يسجَّل غَضاَ فور نزوله، ولم يَضعِ منه شيء ألبتة.