قال في"العرائس": أمر الله موسى وهارون - عليهما السلام - بالذهاب إلى فرعون، لقطع حجته، وإظهار كذبه في دعواه، وهذا تهديد لكل مدع لا يكون معه بينة من الله في دعواه، والحكمة في إرسال الأنبياء إلى الأعداء: ليعرفوا عجزهم عن هداية الخلق إلى الله، ومن يعجز عن هداية غيره. . فأيضًا يعجز عن هداية نفسه، كالطبيب العاجز عن معالجة الغير، فإنه عاجز عن معالجة نفسه أيضًا، وليعلموا أن الاختصاص لا يكون بالأسباب، ويشكروا بما أنعم الله عليهم بلطفه، وربما يصطادون من بين الكفرة من يكون له استعداد بنظر الغيب، مثل: حبيب النجار، والرجل من آل فرعون، وامرأة فرعون، والسحرة. انتهى.
44 -ثم أمرهما سبحانه بإلانة القول له، لما في ذلك من التأثير في الإجابة، فإن التخشين بادئ بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر فقال: {فَقُولَا} أنتما، يا موسى وهارون {لَهُ} ؛ أي: لفرعون {قَوْلًا لَيِّنًا} أي: سهلًا, أي: كلماه باللين والرفق، من غير خشونة ولا تعنيف، ويسرا, ولا تعسرا، فإنه ما دخل الرفق في شيء إلا وقد زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا وقد شانه، وكان في موسى حدة وصلابة وخشونة، بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارًا، فعالج حدته وخشونته باللين ليكون حليمًا، وهو معنى قول من قال: طبع الحبيب كان على اللين والرحمة، فلذا أمر بالغلظة كما قال تعالى: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} تحققًا بكمال الجلال، وطبع الكليم على الشدة والحدة والصلابة، فلذا أمر بالقول اللين، تحققًا بكمال الجمال.
وقيل: أمر الله موسى باللين مع الكافر، مراعاةً لحق التربية؛ لأنه كان رباه، فنبه به على نهاية تعظيم حق الوالدين، وقيل: أمر موسى باللين ليكون حجة على فرعون، لئلا يقول: أغلظ علي القول في دعوته، وفي"الإحياء": سئل الحسن عن الولد، كيف يحتسب على والده؟ فقال: يعظه ما لم يغضب، فإذا غضب سكت. فعلم منه أنه ليس للولد الحسبة على الوالد بالتعنيف والضرب، وليس كذلك التلميذ مع الأستاذ، إذ لا حرمة لعالم غير عامل، وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ - رحمه الله - هذه الآية، فبكى وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله، فكيف بمن يقول أنت الإله.