قال بعضهم: الحكمة في هذا التكليف: أن من ذكر جلال الله تعالى وعظمته .. استخف غيره، فلا يخاف أحدًا غيره، فتقوى روحه بذلك الذكر، فلا يضعف في مقصوده. أو المعنى: فلا تنيا ولا تضعفا عن تبليغ رسالتي، فإن الذكر يطلق على كل عبادة، والتبليغ من أعظم العبادات.
والمعنى: أي اذهب أنت وأخوك إلى فرعون وقومه وبني إسرائيل، وإني ممدكما بحججي وبرهاناتي الدالة على صدق نبوتكما، ومظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح العلل والمعاذير به، ولا تفترا في دعوتهم، وتبليغ الرسالة إليهم، فبينا لهم أن الله أرسلكما إليهم، مبشرين بثوابه، ومنذربن بعقابه.
وقرأ ابن وثاب: {ولا تنيا} : بكسر التاء اتباعًا لحركة النون، وفي مصحف عبد الله {ولا تهنا} ؛ أي: ولا تلنا، في قولهم: هين لين
43 - {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ} هذا أمر وخطاب لهما جميعًا بالذهاب، موسى حاضر وهارون غائب، إما بطريق التغليب لموسى لأنه الأصل في أداء الرسالة، أو بعد ملاقاة أحدهما الآخر، وتكرير الأمر بالذهاب: لترتيب ما بعده عليه، وفرعون: اسم أعجمي، لقب الوليد بن مصعب صاحب موسى، وقد اعتبر غوايته، فقيل: تفرعن فلان، إذا تعاطى فعل فرعون، وتخلق بخلقه، كما يقال: أبلس وتَبَلَّس، ومنه قيل للطغاة الفراعنة والأبالسة، وعلل الأمر بالذهاب بقوله: {إِنَّهُ} ؛ أي: إن فرعون {طَغَى} ؛ أي: تجاوز حد العبودية بدعوى الربوبية؛ أي: جاوز الحد في الكفر والتمرد.
وخص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم، وجمعهما هنا تشريفًا لموسى بإفراده، وتأكيداً للأمر بالذهاب بالتكرير، وقيل: إن في هذا دليلًا على أنه لا يكفي ذهاب أحدهما، وقيل: الأول: أمر لموسى بالذهاب إلى كل الناس، والثاني: أمر لهما بالذهاب إلى فرعون.
والمعنى: أي اذهبا معًا إلى فرعون، وناضلاه الحجة بالحجة، وقارعاه البرهان بالبرهان؛ لأنه طغى وتجبر وتمرد، حتى ادعى الربوبية فقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وتخصيص فرعون بالدعوة آخرًا، بعد أن كانت الدعوة عامة أولًا، من قبل أنه إذا صادفت الدعوة من فرعون أذنًا صاغيةً، واستجاب لدعوتهما، وآمن بهما .. تبعه المصريون قاطبةً، كما قيل: الناس على دين ملوكهم.