ولو جاءَ هذا السلام أول الكلام لتحيته منهما، لما كان مناسبًا لما أَوصاهما الله به، من أن يقولا له قولًا ليِّنًا لعله يتذكر أَو يخشى، فإِن مفاجأَته بأَنه لا تحية له، لأنها لأَهل الهدى وهو ليس منهم، تعتبر مفاجأَة خشنة منفِّرة يقولانها بين يديه غير عابثين بمنصبه في قومه، وَتَمْنَعُهُ من أن يتذكر أَو يخشى، وتخالف اللين المطلوب منهما في محادثته، ولأَنه يعتبرهما من رعيته، وقد نشآ في نعمته وتحت سلطانه، وقال أَبو حيان: الظاهر أَن قوله تعالى: {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} فصل للكلام، والسلام فيه بمعنى التحية، وجاءَ ذلك على ما هو العادة من التسليم عند الفراغ من القول، إِلَّا أَنهما عليهما السلام رغبا بذلك عن فرعون، وخصَّا به متبعى الهدى، ترغيبًا له بالانتظام في سلكهم: اهـ.
والصواب ما قلناه أَولًا، من أَن السلام هنا بمعنى الأَمان، وقد جاءَ في وسط كلامهما مع فرعون وليس في آخره، فقد قالا له عقب ذلك: {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} فكأنما قالا له: والأَمان على من اتبع الهدى الذي جئناك به، لأن العذاب على من كفر به وتولى عنه.
فإن قيل إِن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأَ خطابه لعظيم الروم بتحيته على هذا النحو حيث قال له - كما جاءَ في الصحيحين:"من محمد رسوك الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام علي من اتبع الهدى"فلماذا لم يؤمر موسى وهارون بمثل ذلك؟ فالجواب: أَن النبي - صلى الله عليه وسلم
إنما يفعل ذلك مع هرقل في منزلة من العزة والمنعة، لم يكن فيها موسى وهارون كما تقدم بيانه، فلذا أَوصاهما الله تعالى بملاينته على النحو الذي جاءَ في النص الكريم.
48 - {إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} :
أي وقولا لفرعون أَيضًا: إنا قد أَوحى الله إلينا أن العذاب في الدنيا والآخرة على من كذبنا، وأَعرض عما جئنا به من وحى ربنا.