نرى في هذا النص الكريم أن الله تعالى كلف موسى وهارون أَن يطلبا من فرعون في أَول لقاء بينهما أن يرسل بني إسرائيل معهما، ولم يكلفهما بمطالبته بالإيمان بربه سبحانه، في حين أن سورة النازعات تدل على أَنهما كلفا بأن يهدياه أَولًا إلى معرفة ربه، فقد جاءَ فيها قوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} وجمعًا بين النصين نقول: إن الله كلفهما بالأَمرين جميعًا، وإنهما تدرجا معه، فطلبا منه إِرسال بني إسرائيل وإطلاقهم من الأسر، ورفع التعذيب والقتل عنهم، قبل أن يطلبا منه تبديل اعتقاده، فإن الأَول أَسهل عليه من الثاني.
والمراد من إِرسال بني إسرائيل معهما تخليص الأُسارى منهم، وإخراجهم من تحت جبروته، وليس المقصود التصريح لهم بالتوجه معهما إلى الشام، ويدل على ذلك قوله تعالى عقب هذه الجملة:"وَلَا تُعَذِّبْهُمْ"أي لا تعذبهم بإِبقائهم في السجون والتسخير، فقد كان هو وقومه يستخدمونهم في الأعمال الشاقة كالحفر والبناء ونقل الأحجار، ومن عصاهم عذبوه وسجنوه.
والمعنى: فاذهب يا موسى أَنت وأخوك هارون إِلى فرعون، فقولا له: إِننا مرسلون من الخالق الذي أَنشأَك ورباك، فأَطلق سراح بني إسرائيل من السجن ومن السُّخرة، ولا تعذبهم بأَى نوع من أنواع التعذيب الذي تمارسه أنت والقبط في إذلالهم.
{قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} :
أَي وقد جئناك بحجة من ربك، على أننا مرسلون من قبله، ولسنا مفترين على الله، بدعوى إِرساله إِيانا إليك، والسلامة من العذاب في الدارين لمن اتبع الهدى الذي أَرسلنا الله به، وليس السلام هنا بمعنى التحية، لأنه ليس في ابتداء كلامهم كما هي العادة في التحية، بل هو بمعنى الأمان لترغيبه في حسن العاقبة.