الأولى: قوله تعالى: {وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} نفى عن نفسه سبحانه وتعالى الولد ؛ لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث على ما بيناه في"البقرة"أي لا يليق به ذلك ولا يوصف به ولا يجوز في حقه ؛ لأنه لا يكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس.
قال:
في رأس خَلْقَاء من عَنْقَاء مُشْرِفَةٍ ...
ما ينبغي دونها سَهْلٌ ولا جَبَلُ
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) }
"إن"نافية بمعنى ما ؛ أي ما كل من في السماوات والأرض إلا وهو يأتي يوم القيامة مقرّاً له بالعبودية ، خاضعاً ذليلاً كما قال: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل: 87] أي صاغرين أذلاء ؛ أي الخلق كلهم عبيده ، فكيف يكون واحد منهم ولداً له عز وجل ؛ تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيراً.
و"آتي"بالياء في الخط ، والأصل التنوين فحذف استخفافاً وأضيف.
الثانية: في هذه الآية دليل على أنه لا يجوز أن يكون الولد مملوكاً للوالد ، خلافاً لمن قال: إنه يشتريه فيملكه ولا يعتق عليه إلا إذا أعتقه.
وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الأولاد والملك ، فإذا ملك الوالد ولده بنوع من التصرفات عتق عليه.
ووجه الدليل عليه من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل ؛ فنفى أحدهما وأثبت الآخر ، ولو اجتمعا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج بها.
وفي الحديث الصحيح:"لا يَجْزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه"خرجه مسلم.
فإذا لم يملك الأب ابنه مع مرتبته عليه ، فالابن بعدم ملك الأب أولى لقصوره عنه.