وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ} بِرَفْعِ الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا، بِمَعْنَى فَهَبِ الَّذِي يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، عَلَى أَنْ يَرِثَنِي وَيَرِثَ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ، مِنْ صِلَةِ الْوَلِيِّ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: (يَرِثْنِي وَيَرِثْ) بِجَزْمِ الْحَرْفَيْنِ عَلَى الْجَزَاءِ وَالشَّرْطِ، بِمَعْنَى: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا فَإِنَّهُ يَرِثُنِي إِذَا وَهَبْتَهُ لِي.
وَقَالَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ: إِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّ يَرِثُنِي مِنْ آيَةٍ غَيْرِ الَّتِي قَبْلَهَا. قَالُوا وَإِنَّمَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا صِلَةً، إِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْقَطِعٍ عَمَّا هُوَ لَهُ صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ: {رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِرَفْعِ الْحَرْفَيْنِ عَلَى الصِّلَةِ لِلْوَلِيِّ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ نِكَرَةٌ، وَأَنَّ زَكَرِيَّا إِنَّمَا سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلِيًّا يَكُونُ بِهَذِهِ الصُّفَّةِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا أَنَّهُ سَأَلَهُ وَلِيًّا، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ إِذَا وَهَبَ لَهُ ذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ ذَلِكَ مِنْ زَكَرِيَّا دُخُولًا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي قَدْ حَجَبَهُ اللَّهُ عَنْ خَلْقِهِ.
وَقَوْلُهُ: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}
يَقُولُ: وَاجْعَلْ يَا رَبِّ الْوَلِيَّ الَّذِي تَهَبُهُ لِي مَرْضِيًّا تَرْضَاهُ أَنْتَ وَيَرْضَاهُ عِبَادَكَ دِينًا وَخُلُقًا وَخَلْقًا. وَالرَّضِيُّ: فَعِيلٌ صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَيْهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِهِبَتِنَا لَكَ غُلَامًا اسْمُهُ يَحْيَى.
كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: إِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ يَحْيَى لِإِحْيَائِهِ إِيَّاهُ بِالْإِيمَانِ.
وَقَوْلُهُ: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ لَمْ تَلِدْ مِثْلَهُ عَاقِرٌ قَطُّ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلِهِ مِثْلًا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ، أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ بِاسْمِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ أَعِنِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لِيَحْيَى قَبْلَ يَحْيَى أَحَدٌ سُمَيَّ بِاسْمِهِ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: لَمْ نَجْعَلْ لِلْغُلَامِ الَّذِي نَهَبُ لَكَ الَّذِي اسْمُهُ يَحْيَى مِنْ قَبْلِهِ أَحَدًا مُسَمًّى بِاسْمِهِ، وَالسَّمِيُّ: فَعِيلٌ صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَيْهِ.