وكلما كانت البصيرة صافية مَجْلوة، والإنسانيَّة كريمة عاقلة مفكِّرة مقدِّرة، كانت الزِّينة والجمال في الحقائق الكونية على ما خلَق الله، وبَرَأ وصوَّر العليم الحكيم، فكان هَمُّ الإنسان الكريم موجَّهًا إلى جَمال الحقائق، وحسن إبداع الله وكمال نِعَمه في نفسه وفي الآفاق، وفيما أوحى إلى رسله من العلم الجميل، والْهُدى الحقِّ، واتَّخَذ من كل هذا الجمال والكمال غذاءً لقلبه وروحه، فدامت عليه نعم الله، وزادها الله فيه نفعًا وحسنًا وجَمالاً، وسَمَا بها على معارج الكرامة، وهذا هو ما يكرهه إبليس الرَّجيم ويَمْقته أشدَّ المقت هو وجندُه وحِزْبُه؛ فهو لذلك يعمل جاهدًا بكل كيده واحتياله حتى يوقع الإنسان بتحسين وتزيين التقليد الأعمى، والانْسلاخ من آيات الله، واتِّباع الشهوات البهيمية؛ حتَّى يكون من الغاوين؛ فيرى الحقَّ باطلاً، والجمال قبحًا، والقبح جمالاً، وتكون الزينة عنده والجمال حينئذٍ وَهْمًا وخيالاً، ومظاهر خادعة غرَّارة في كل لذَّة بَهيمية، ويُرضي نفسه الأمَّارة بالسُّوء، فلا يكون إلا الفسوق والعصيان وما يلزَمُه من الرُّعونة والطَّيش، والسَّفَه والحماقة، والوهن والضعف، والجُبْن والشَّرَه، والحسد والضغن والحقد، وخسران الدنيا والآخرة.
ألا ترى الغاوين كيف يُعينون الغاويات على تشويه ما خلَقَ اللهُ من جَمال الوجه والصورة بالأصباغ القَذِرة، وكيف يشوِّهون زينة الثياب السابغة، بالثياب الهاتكة الفاجرة؟! وكيف يتجمَّلون للناس بالكفر والفسوق، والكذب والزُّور، والتمرُّد على كتاب الله وشرائعه وهَدْي رسوله، وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا؟!