سبحان ربِّنا وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، فإنَّ لربنا الحَمْد على كلِّ حال؛ لأنَّه الجميل في صفاته، والجميل في أفعاله، والجميل في خَلْقه، والجميل في أمره، ولا يكون منه إلاَّ الخير والجميل، والحقُّ والعدل والإحسان، فإنَّ الله سبحانه دعا إبليس إلى الخير والرشد، وأمره بالسجود لآدم كما أمر الملائكة، فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون، وأبَى إبليس واستكبر، وكان من الكافرين، وقال متوعِّدًا ومهدِّدًا:"قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً" [الإسراء: 62] ، فالله سبحانه بدَأَه بالإحسان، ولكنَّه أبَى الكرامة والحسنَى، وغلبه الحسَدُ والبغي، فكان من الغاوين، وكذلك يوحي إبليس إلى حزْبِه ويزيِّن لَهم ما رَضِيَه لنفسه وخطَّه من سبل الغيِّ، مُحاولاً تبرئة نفسه وتَنْزيهَها من العيب - وكلها عيب وشرٌّ - وملقيًا تَبِعةَ إجرامه وفساده وإفساده، وأمْره بالسوء والفحشاء على ربِّه، فتجد حزبه من شياطين الإنس يتنفجون غرورًا، ويفرضون أنفسهم على الدَّهْماء والغوغاء سادةً وأربابًا، يشرعون لَهم الإثم والفجور، والشِّرك والوثنية والخرافات، ويزعمون أنَّ ذلك من الدِّين الذي يحبُّه الله ويرضاه، وأنَّهم استنبطوه من باطن النُّصوص التي اختصُّوا بعلمها من دون الناس، أو أنَّهم تلقَّوْه بالإلْهام والمنام، أو هتَكوا حجُبَ الغيب فقرؤوه ونقلوه من اللَّوح المَحفوظ، وقد مكَّنَت العامة لأولئك الطواغيت من أنفسها بِخُنوعها واستخدامها ما ألزموها به من التقليد بقتل الإنسان العاقل ونفسه المفكِّرة المدبِّرة المميِّزة، بِمَا صدَّقوا من مزاعم هؤلاء الشياطين: أنَّ العامة لا سبيل لها في الدِّين إلا التقليد الأعمى، وأن تُسْلم نفسها وقلبها وكلَّ شأنِها للشُّيوخ، وتكون معه كالميت بين يدي الغاسل، مؤمِنة بأنَّه جاسوس القلوب، وخازن السَّماء، ووكيل الله على الناس، فتسلم لهم بكل ذلَّة وخضوع وعبادة، وتكون آلة صمَّاء لأهوائهم وشهواتهم، وبغيهم وفسادهم وإفسادهم، مَخْدوعة بِزَعم أنَّهم يبلِّغونَها أمر الله، ويَدفعونَها بذلك إلى طاعة الله.