وذكر سبحانه أنَّ الغاوي يركب رأسه المَغْرور، ويهيم على وجهه في كلِّ وادٍ بلا عقل ولا تفكير ولا تدبُّر للعواقب، ولا تقدير ولا وزن لمبدأ ولا لغاية، فيكون لذلك أسوأ النَّاس عاقبة، وأخسرهم عملاً، وأعظمهم حسرة وندامة، قال تعالى:"هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ" [الشعراء: 221 - 226] .
وقرن ربُّنا سبحانه الضلال - الذي هو التخبط في كل وادٍ على غير رؤية أو تبصُّر - وطاعة الهوى في القول أو العمل بالغيِّ، فبَرَّأ الله نبيَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحَماه من ذلك في قوله:"وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى" [النجم: 1 - 3] وذكَر سبحانه أنَّ الغاوي ما دام متمسِّكًا بغيِّه، مَخدوعًا به، غارقًا فيه، فإنَّه لا يمكن أن ينتفع بنفسه، ولا يسمح بنصح ناصح، مهما بلغ من الشَّفَقة به والإخلاص له، ومهما أُوتِي النَّاصح من قوَّة البيان والصَّبر، فقال على لسان عبده ورسوله نوح - عليه السَّلام:"وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [هود: 34] .
هأنا قد جَمعتُ لك هذه الآيات التي استعمَل اللهُ فيها"الْغَيِّ"؛ لأنِّي حاولتُ أن أشرح لك معناه اللُّغوي، على ما عرفتَ من طريقتي التي أحرص عليها؛ لأعطيك أكثر ما أقدر عليه من معاني القرآن ومقاصده، مع إيماني الوثيق بأني مقصِّر، مهما بذلتُ من الجهد، وأنَّ القرآن، مهما استخرج مهَرَةُ الغوَّاصين من لآلائه، فهُم لا يقدرون على استخراجها كلِّها، ولعلَّك تكون أقدر على استخراجه؛ لظروفك وشديد رغبتك، وصِدْق لجئِك وضراعتِك إليه سبحانه، فهو الحكيم الحميد، وهو بعباده الرؤوف الرحيم.