طلب إبليس طلب المستكبرِ الباغي، فكان لا بدَّ مع البغي والاستكبار من العدوان، وطلب المستحيل الذي لن يتحقَّق ولن يُستجاب، وهو أمَلٌ يتعلَّق به الداعي ويرجوه، ويربط به هناءَه ورحْمَتَه، فيلزمه لتلك الخيبةِ في دعائه والخسرانِ لأمله الشَّقاءُ والحسرة الدائمة، وتَصْطبغ بذلك نفسُه، وتُحيط بها، فتتلوَّن به كلُّ طبائعه وعناصر حياته، فتَسودُّ وتُظْلِم، وينشأ عن ذلك كلُّ أسباب الشرِّ والبغي والفساد، مِن غَبْن وضيم وبَغْضاء، واحتقار وتصغير لكلِّ نعم الله، وعمًى عن كلِّ آيات الله، وتشبُّث بكلِّ وهْمٍ وهوًى، وعبادة لكلِّ شهوة، وتَخيُّل كلِّ الحقائق أوهامًا، والأوهام حقائق وآمالاً، فلا يزال عيشُه بذلك نكدًا، ولا تزال حياته أحزانًا وشقاء:"ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ" [الروم: 10] .
ولقد أرشدنا الله - سبحانه وتعالى - إلى الدواء من كلِّ ذلك، والشِّفاء العاجل من كل تلك الأدواء والمهالك، فقال في سياق قصص إبليس من سورة طه:"قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى" [طه: 124] وقال في سورة الأعراف المبتدأة كذلك بشرح حال إبليس، والكشف عن مكايده وآلاتِ إضلاله:"ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" [الأعراف: 55 - 56] وقال عن أنبيائه الذين اصطفاهم وأوحى إليهم الهدى والرَّحْمة، وأقامهم للناس قادةً وهُداة، ينجو الناس باتِّباعهم من كيد ذلك العدوِّ ومكره، قال ربُّنا في سورتهم:"إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ" [الأنبياء: 90] .