وكلمة (أجمعين) تفيد الإحاطةَ لكل الأفراد ، وهذا فوق قدرته بعد أنْ عرف مُقَامه من نفسه ومن ربه ، فقال ما جاء به الحق سبحانه في الآية التالية: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ...}
فهؤلاء العباد الذين خلَّصتهم لنفسك يا ربّ ؛ فلن أقدر عليهم ؛ لأنك أخذتهم من طريق الغواية ؛ لأنهم أحسنوا الإيمان ، وقد وصلوا إلى مرتبة من الإخلاص التعبُّدي درجةً يصعب بها على الشيطان غوايتهم .
ويقول أهل المعرفة والإشراق:"أنت تصل بطاعة الله إلى كرامة الله".
ولو شاء الله أن يكون جميع خَلْقه مهديين ما استطاع أحد أنْ يُضلّهم ، ولكن عِزَّة الله عن خَلْقه هي التي أفسحت المجالَ للإغواء ، ولذلك نجد إبليس يُقِرّ بعجزه عن غواية مَنْ أخلصوا لله العبادة .
ونجد رد الحق سبحانه على إبليس واضحاً لا لَبْس فيه ، ولا قبول لِمَا قد يظنُّه إبليس مجاملةً منه لله ، فيقول سبحانه في الآية التالية:
{قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) }
وهكذا أوضح الحق سبحانه أن صراطه المستقيم هو الذي يقود العباد إلى الطاعة ؛ فليس في الأمر تفضُّل من إبليس الذي سبق له أنْ حدَّد المواقع والاتجاهات التي سيأتي منها لغواية البشر ، حيث قال الحق سبحانه ما جاء على لسان إبليس: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17]
في ذلك القول حدَّد إبليس جهات الغواية التي يأتي منها وترك"الفَوْق"و"التَّحْت"، لذلك نقول: إن العبد إذا استحضر دائماً عُلُوَّ عِزّة الربوبية ، وذُلّ العبودية ؛ فالشيطان لا يدخل له أبداً .
ويواصل الحق سبحانه قوله المبلغ عنه لنا: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ ...}