ومن هنا ندرك سر وقوف نافع في قراءته على قوله تعالى:"فَاخْتَلَطَ". ثم ابتداؤه بقوله تعالى:"بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ". أي: بالماء نبات الأرض. وهذا يؤكد أن الماء المنزل من السماء يختلط بتراب الأرض، ويذيب ما فيه من عناصر غذائية بعد أن يحوله إلى طين، ثم يختلط النبات - أي: البذر - بالماء من خلال اختلاطه بالطين، الذي يمده بالماء والغذاء .. ومن هنا يأخذ البذر طريقه في النمو، ويتحول إلى نبات، يكون الماء أحد عنصريه، فيخضر بعد ذلك، ويزهو، ويحسن. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك كله بقوله:
"أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ" (عبس:25 - 32) .
ثم ماذا بعد ذلك؟ يأتيه أمر الله تعالى بالهلاك، فيجعله حصيدًا كأَن لم يَغْنَ بالأمس.
هكذا تبدأ رحلة حياة النبات، وهكذا تنتهي .. كذلك متاع الحياة الدنيا، مآله إلى الزوال، والإنسان مآله إلى الموت، و"كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" (القصص:88) ، سبحانه وتعالى!
وقوله تعالى:"حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ"جُعِلت فيه الأرض آخذة زخرفها، على التمثيل بالعروس، إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها، وتزينت بغيرها من ألوان الزيَن.
وأصل"ازَّيَّنَتْ": تزيَّنت، أدغمت التاء في الزاي، وجيء بألف الوصل؛ لأن الحرف المدغم مقام حرفين: الأول منهما ساكن، والساكن لا يبتدأ به. وقرأ ابن مسعود، وأبي بن كعب رضي الله عنهما:"تَزَيَّنَتْ"، على الأصل.
وفي قوله تعالى:"وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا"إشارة إلى تمكُّن أصحابها من جني ثمارها، وتناول قطوفها؛ إذ أصبحت ناضجة الثمار، دانية القطوف، آمنة من تعرضها للآفات، التي تفسد الزهر، وتغتال الثمر. فإذا اجتاحتها آفة - وهي على تلك الحال من الجمال والنضارة - كان ذلك أوجع، وأفجع لأهلها.