أي: هذه الأكوان مخلوقة بحساب ، وتستطيعون أن تُقَدِّروا أوقاتكم وحساباتكم على أساسها . ويقول سبحانه: {الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر يَسْجُدَانِ * والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان * وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان} [الرحمن: 5 - 9] .
وحتى تستقيم لكم الأمور الدنيا في حركتكم في الكون - كما استقامت لكم الأمور العليا ؛ وازنوا كل الأمور بالعدل ؛ فلا يختل لكم ميزان ؛ لأن الذي يُفسد الكون أنكم تتدخلون فيما أعطي لكم من مواهب الله قدرة وعلماً وحَركة على غير منهج الله . فادخلوا على أمور حياتكم بمنهج الله في"افعل"و"لا تفعل"؛ ليستقيم لكم الكون الأدنى كما استقام لكم الكون الأعلى .
وهنا يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض} وقد خلف الإنسان الله تعالى في الأرض ، في أنه - مثلاً - يحرث الأرض ويسقيها ؛ فيخرج له الزرع ، وحين يأخذ الإنسان أسباب الله فهو ينال نتيجة الأخذ بالأسباب . ولكن آفة الإنسان بغروره ، حين تستجيب له الأشياء ، فهو يظن أنه قادر بذاته ، لا بأسباب الله .
والحق سبحانه وتعالى يُعطي بعطاء ربوبيته للمؤمن ، وللكافر ؛ لأنه سبحانه هو الذي استدعى الإنسان إلى الوجود ، لكنه جلّ وعلا ميَّز المؤمن ، لا بعطاء الأسباب فقط ، ولكن بالمنهج ، والتكليف المتمثل في"افعل كذا"و"لا تفعل كذا"، فإن أخذ العطاءين من الله يبقَ له حسن الجزاء في الدنيا والآخرة ، وإن أخذ العطاء الثاني في"افعل"و"لا تفعل"، فهو يأخذ الآخرة ، أما دنياه فتظل متخلّفة .
ومن يُردْ أن يأخذ حُسْن الدنيا والآخرة ، فليأخذ عطاء ربوبية الله تعالى بالأخذ بالأسباب ، وعطاء الألوهية باتّباع المنهج .