ولما أقام الله سبحانه وتعالى الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحمن ، وعلى صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم ، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر ؛ شرع في شرح أحوال من يكفر بها ، وشرح أحوال من يؤمن بها ، وقد ابتدأ بأوّلها ووصفه بأربع صفات مبتدئاً بأوّلها بقوله تعالى:
{إنّ الذين لا يرجون لقاءنا} أي: لا يخافونه لإنكارهم البعث ، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها ، فهم مكّذبون بالثواب والعقاب والرجاء ، يكون بمعنى الخوف ، وبمعنى الطمع ، فمن الأوّل قول العرب: فلان لايرجو فلاناً ، بمعنى لا يخافه ، ومنه قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقاراً} (نوح: (، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
إذ لسعته النحل لم يرج لسعها.
أي: لم يخفها. ومن الثاني قولهم: فلان يرجو فلاناً ، ، أي: يطمع فيه ، والمعنى: لا يطمعون في ثوابنا ، والصفة الثانية والثالثة: قوله تعالى: {ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها} فيعملون لها عمل المقيم فيها مع ما يشاهدونه من سرعة زوالها منهمكين في لذاتهاوزخارفها ، وسكنوا فيها سكون من لا ينزع عنها ، والصفة الرابعة: قوله تعالى: {والذين هم عن آياتنا} أي: دلائل وحدانيتنا {غافلون} تاركون النظر فيها ، بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء ، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدّة بعدهم عن طلب الاستعداد بالسعادات الأخروية ، ويحتمل أنَّ الصفة الأخيرة لفريق آخر ، ويكون المراد بالأوّلين: من أنكر البعث ، ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، وبالآخر: من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له ، ولما وصفهم الله تعالى بتلك الصفات قال:
{أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} من الشرك والمعاصي ، ولما شرح أحوال المنكرين الجاحدين ذكر تعالى شرح من يؤمن بها فقال: