فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 208784 من 466147

فعلمنا أنه لا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا التفاوت ، وأيضاً لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن هذا الزاهد العابد لو أعطاه ما دفع إلى الكافر الفاسق لطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا ، وأن ذلك الكافر الفاسق لو زاد عليه في التضييق لزاد في الشر وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الأرض} [الشورى: 27] .

الحجة الثالثة: أنه تعالى كلف عبيده بالعبودية فقال: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] والحكيم إذا أمر عبده بشيء ، فلا بد وأن يجعله فارغ الباب منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تلك التكاليف ، والناس جبلوا على طلب اللذات وتحصيل الراحات لأنفسهم ، فلو لم يكن لهم زاجر من خوف المعاد لكثر الهرج والمرج ولعظمت الفتن ، وحينئذ لا يتفرغ المكلف للاشتغال بأداء العبادات.

فوجب القطع بحصول دار الثواب والعقاب لتنتظم أحوال العالم حتى يقدر المكلف على الاشتغال بأداء العبودية.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال إنه يكفي في بقاء نظام العالم مهابة الملوك وسياساتهم ؟ وأيضاً فالأوباش يعلمون أنهم لو حكموا بحسن الهرج والمرج.

لانقلب الأمر عليهم ولقدر غيرهم على قتلهم ، وأخذ أموالهم ، فلهذا المعنى يحترزون عن إثارة الفتن.

والجواب: أن مجرد مهابة السلاطين لا تكفي في ذلك ، وذلك لأن السلطان إما أن يكون قد بلغ في القدرة والقوة إلى حيث لا يخاف من الرعية ، وإما أن يكون خائفاً منهم ، فإن كان لا يخاف الرعية مع أنه لا خوف له من المعاد ، فحينئذ يقدم على الظلم والإيذاء على أقبح الوجوه ، لأن الداعية النفسانية قائمة ، ولا رادع له في الدنيا ولا في الآخرة ، وأما إن كان يخاف الرعية فحينئذ الرعية لا يخافون منه خوفاً شديداً ، فلا يصير ذلك رادعاً لهم عن القبائح والظلم.

فثبت أن نظام العالم لا يتم ولا يكمل إلا بالرغبة في المعاد والرهبة عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت