وأخرج أبو الشيخ وغيره عن مجاهد أن المعنى يقضي الأمر والمراد بالأمر أمر الكائنات علويها وسفليها حتى العرش فأل فيه للعهد أي يقدر أمر ذلك كله على الوجه الفائق ، والنمط اللائق حسبما تقتضيه المصلحة وتستدعيه الحكمة ويدخل فيما ذكر ما تعجبوا منه دخولاً ظاهراً ، وزعم بعضهم أن المعنى يدبر ذلك على ما اقتضته حكمته ويهيء أسبابه بسبب تحريك العرش وهو فلك الإفلاك عندهم وبحركته يحرك غيره من الأفلاك الممثلة وغيرها لقوة نفسه ، وقيل: لأن الكل في جوفه فيلزم من حركته حركته لزوم حركة المظروف لحركة الظرف وهو مبني على أن الظرف مكان طبيعي للمظروف وإلا ففيه نظر.
وأنت تعلم أن مثل هذا الزعم على ما فيه مما لا يقبله الحدثون وسلف الأمة إذ لا يشهد له الكتاب ولا السنة وحينئذ فلا يفتى به وإن حكم القاضي ، وجوز في الجملة أن تكون في محل النصب على أنها حال من ضمير {استوى} وأن تكون في محل الرفع على أنها خبر ثان لأن ، وعلى كل حال فايثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير واستمراره منه تأعلى ، وقوله سبحانه: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} بيان لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير ونفي للشفاعة على أبلغ وجه فإن نفي جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه ، فلا حاجة إلى أن يقال: التقدير ما من شفاعة لشفيع ، وفي ذلك أيضاً تقرير لعظمته سبحانه إثر تقرير ، والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه تعالى المبني على الحكمة الباهرة وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأخيار والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة.
وذهب القاضي إلى أن فيه رداً على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى.