وقلنا من قبل: إن الذي يخطئ في حق غيره ، فهذا الغير يرد الخطأ بعقاب على حسب قدرته . ولكن إن عفا عنه ، نقول لمن أخطأ: لا تعتبر هذا العفو لصالحك ، بل هو عكس ذلك تماماً ؛ لأن الذي يعفو إنما ترك الحكم لله ، وسوف يكون عقابك لا قدر قوة وطاقة مَنْ عفا عنك ، ولكنه ترك عقابك لله ، وسيكون عقابك على قدر قدرات الله .
إذن: فالذي ينتقم ويرد على من أخطأ في حقه ، إنما يأخذ على قدر قوَّته ، وأما الذي يعفو فهو يأخذ على قدر قدرات الله ، وهناك مرتبة أعلى من ذَلك جعلها الله سبحانه وتعالى للمذنب ، والذي وقع الاعتداء عليه ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى رب الاثنين: فإن أساء إليك إنسان قد ترد عليه الإساءة بطاقتك ، وقد تعفو فيرد الله عليه بقدرته وطاقته .
ولكن خير من ذلك أن تحس أن الذي أساء إليك في حقيقة الأمر قد أحسن إليك ، مع أنه لم يقصد ذلك ، كيف؟ إذا دخلت بيتك ووجدت أحد أبنائك قد ضرب أخاه وأساء إليه ، مع من يكون قلبك وعطفك؟ إن قلبك يكون مع الذي اعتدى عليه وأسيء إليه فتحاول ان ترضيه ، وتأتي إليه بهدية أو تعطيه مبلغاً من المال ، أو غير ذلك من أنواع الإرضاء ، وقيل: من آداب دينك - الإسلام - أن تحسن إلى مَنْ أساء إليك ؛ لأنه يقدم معروفاً دون أن يقصد . ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يطلب منك أن تعفو عمن أساء إليك . ويقول الحق سبحانه وتعالى: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ} وإذا سمعت فعلاً من البشر يقابله فعل من الله ، إياك أن تفهم الفعل من الله كما فهمتَ فعل البشر ، فحين يقول سبحانه: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله ...} [آل عمران: 54]
وحين يقول: {يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ...} [النساء: 142]
هنا نجد فعلاً من صنع الله ، وقد نرى من البشر من يفعل نفس الفعل ، لكن نحن المسلمين نأخذ الفعل من الله على غير الفعل من البشر .