هم إذن قد عابوا على عبدالرحمن بن عوف الذي تصدق بالكثير وقالوا هذا رياء ، وعندما جاء عاصم بن عديّ قالوا: يرائي بالتصدق بنصف ثمار حديقته ، وعندما جاء من لا يملك إلا صاع تمر يتصدق به قالوا: الله ورسوله غني عن تمرك ، لقد سخروا ممن أعطى الكثير ، وسخروا ممن أعطى القليل . وكان يجب أن يُمدَح المتصدقون ولا يُسخَر منهم ؛ لأن كلاً منهم تصدق على قدر طاقته ، وهم أعطوا منه فضل ما أعطاهم الله ؛ قلَّ أو كثُر .
ولذلك فمَنْ يسخر من هؤلاء المؤمنين ؛ لابد أن يُلاَمَ على الخُلق السيء الذي تمثل في مقابلة السلوك الإيماني بالسخرية والاستهزاء ، ولذلك كان جزاء الساخرين أن سخر الله منهم ، وجعل لهم عذاباً أليماً . والسخرية هي الاستهزاء بفعل شخص ما . وهؤلاء المنافقون حين يسخرون من المؤمنين ، فسخريتهم لم تتجاوز عدم رضاهم عمَّنْ فعل الخير ، وهم بسخريتهم لهم يستطيعوا إلا الإيذاء المعنوي للمؤمنين المتصدقين ، ولكن حين يسخر الله ؛ فهذه أولاً عدالة الجزاء لأنها من جنس ما فعلوا ، ولكن هل سخرية الحق سبحانه وتعالى تقتصر على عدم الرضا أم أن هناك جزاء؟
هناك جزاء من الله .
وإذا كان الجزاء يتفاوت بتفاوت قدرة الساخر . فهناك فارق شاسع بين قدرات الله وقدرات البشر . والذين سخروا من المؤمنين حين تصدقوا بالقليل الذي يملكونه ؛ تصدى الله سبحانه وتعالى ليرد عليهم وعلى سخريتهم . ويريد الحق بذلك أن يعطينا صورة عن كيفية دفاعه عن المؤمنين المخلصين في إيمانهم . فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحق تبارك وتعالى ، هو الذي سيعاقب المنافقين ، فالعقاب سيكون أليماً مهيناً .