وعلى سبيل المثال: إذا جئنا لقول الله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله} المكر هو التغلب بالحيلة على الخصم ؛ بأن توهمه أنك تفعل له خيراً ، بينما أنت تضمر له الشر ، كأن تحفر حفرة كبيرة مثلاً وتغطيها ببعض الحشائش والزهور ، ثم تطلب من خصمك أن يأتي لك بزهرة ، فيسقط في الحفرة وتتكسر عظامه .
إذن: فأنت قد كِدْتَ له كَيْداً خَفِيّاً . والكيد والمكر لا يَدُلان على القوة ؛ إنما يدلان على الضَعف ؛ لأن الشجاع القوي هو الذي يجاهر بعدائه ؛ لأنه قادر على عدوه ، لكن الضعيف هو الذي يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه . ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في النساء: {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28]
وما دام كيدهن عظيماً ، فضعفهن عظيم ؛ لأن الضعيف هو من يكيد ، ولكن القوي لا يعجزه طلب خصمه ويقول له: اذهب حيثما شئت ، وسآتي بك عندما أريد ، لا يوجد مكان تهرب فيه مني ، إنما الضعيف إذا تملك من خصمه فإنه يقضي عليه تماماً ؛ لأنه يعرف أنها فرصة لن تتكرر .
ولذلك قال الشاعر:
وَضَعِيفَةٌ فإذَا أصَابَتْ فُرْصة ... قتلت كذلِكَ فُرْصَةُ الضُّعفَاءِ
أما القوي فإنه يقدر ويعفو ؛ لأنه يعرف أنه يستطيع الإتيان بخصمه وقتما يشاء .
والأصل في المكر هو الشجرة الملتفة الأغصان كأنها مجدولة ؛ بحيث لا تستطيع أن تميز الورقة التي تراها من أي فرع نبتت ، فيلتبس عليك الأمر ، كذلك المكر تختلط عليك الأمور بحيث لا تعرف أين الحقيقة . وأنت تمكر بقدر تفكيرك وعقلك ، ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يجازيك بمكرك يكون الجزاء رهيباً ؛ لأن مكرك مفضوح عند الله ، ولكنك لا تعرف شيئاً مما أعدَّه الله لك .