دخل علينا الحَجَّاج من بعض أبواب المسجد ومعه الحرس وهو على بِرذَوْن أصفر
فدخل المسجد على برذَوْنه [1] فجعل يلتفت في المسجد فلم يَرَ حَلْقة أَحْفَل من حلقة
الحسن فتوجه نحوها حتى بلغ قريبًا منها، ثم ثنى وَرِكه فنزل ومشى نحو الحسن فلما
رآه الحسن متوجهًا إليه تجافى له عن ناحية مجلسه قال سعيد: وتَجافَيْت له أيضًا عن
ناحية مجلسي حتى صار بيني وبينه والحسن يتكلم بكلام له يتكلم به في كل يوم فما
قطع الحسن كلامه. قال سعيد فقلت في نفسي: لأبلونَّ الحسن اليوم ولأنظرن هل
يَحْمِل الحسنَ جلوسُ الحجاج إليه أن يزيد في كلامه يتقرب إليه أو يحمل الحسن
هيبة الحجاج أن ينقص من كلامه. فتكلم الحسن كلامًا واحدًا نحوًا مما كان يتكلم
به في كل يوم حتى انتهى إلى آخر كلامه فلما فرغ الحسن وهو غير مكترث
به رفع الحجاج يده فضرب بها على منكب الحسن، ثم قال: صدق الشيخ
وبرَّ فعليكم بهذه المجالس وأشباهها فاتخذوها خُلقًا وعادةً فإنه بلغني عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن مجالس الذكر رياض الجنة ولولا ما حملناه من أمر الناس
ما غلبتمونا على هذه المجالس لمعرفتنا بفضلها. قال: ثم افترّ الحجاج فتكلم حتى
عجب الحسن ومن حضر من بلاغته فلما فرغ طفق فقام فجاء رجل من أهل الشام إلى
مجلس الحسن حيث قام الحجاج فقال: عباد الله المسلمين ألا تعجبون أني رجل شيخ
كبير وأني أغزو فأكلف فرسًا وبغلاً وأكلف فسطاطًا وإن لي ثلاث مئة درهم من
العطاء وإن لي سبع بنات من العيال، فشكا من حاله حتى رقَّ له الحسن وأصحابه
والحسن مكبّ فلما فرغ الرجل من كلامه رفع الحسن رأسه فقال: ما لهم قاتلهم الله
اتخذوا عباد الله خَولاً ومال الله دُولاً وقتلوا الناس على الدينار والدرهم؟! فإذا غزا
عدو الله غزا فيه الفساطيط الهبابة (أي العالية المشرعة) وعلى البغال السباقة، وإذا
أغزى أخاه أغزاه طاويًا راجلاً فما فتر الحسن حتى ذكرهم بأقبح العيب وأشده فقام
رجل من أهل الشام كان جالسًا إلى الحسن فسعى به إلى الحجاج وحكى له كلامه
(1) يريد بقوله: (يتكلم به في كل يوم) أنه يتكلم بمثله في الوعظ وبيان الحق كما يُعلم من لاحق الكلام.