الذي تكلم به [1] فلم يلبث الحسن أن أتته رُسل الحجاج فقالوا: أَجِبْ الأمير فقام
الحسن وأشفقنا عليه من شدة كلامه الذي تكلم به فلم يلبث الحسن أن رجع إلى مجلسه
وهو يبتسم وقلما رأيته فاغرًا فاه يضحك، إنما كان يبتسم فأقبل حتى قعد في مجلسه
فعظم الأمانة وقال: إنما تجالسون بالأمانة [2] كأنكم تظنون أن الخيانة ليست إلا في
الدينار والدرهم، إن الخيانة أشدَّ الخيانة أن يجالسنا الرجل فنطمئن إلى جانبه ثم
ينطلق فيسعى بنا إلى شرارة من نار، إني أتيت هذا الرجل فقال: أقصر عليك لسانك
وقولك إذا غزا عدو الله كذا وكذا .. وإذا أَغْزَى أخاه أغزاه كذا لا أبا لك تُحِّرض
علينا الناس إنَّا على ذلك لا نتهم نصيحتك فأقصرْ عليك من لسانك قال: فدفعه الله
عني. وركب الحسن حمارًا يريد المنزل فبينما هو يسير إذ التفت فرأى قومًا
يتبعونه فوقف فقال: هل لكم من حاجة أو تسألون عن شيء وإلا فارجعوا فما
يبقي هذا من قلب العبد؟!).
قال الغزالي بعد إيراد هذا الأثر:(فبهذه العلامات وأمثالها تتبين سريرة
الباطن ومهما رأيت العلماء يتغايرون ويتحاسدون ولا يتوانسون ولا يتعاونون فاعلم
أنهم قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فهم الخاسرون، اللهم ارحمنا بلطفك يا أرحم
الراحمين). اهـ.
أقول: وإن حاجتهم إلى التعاون في هذا العصر أشد منها في عصر الحَجَّاج
فإن المسلمين اليوم على خطر وأمراؤهم وملوكهم لا يذكرون مع ملوك بني أُميَّة
وأمرائهم حتى الحجاج فأولئك قد فتحوا الممالك وهؤلاء أضاعوها، وأولئك حفظوا
من الشريعة ما عدا جعْل أمر المسلمين شورى بينهم فإنهم جعلوه ملكًا قوامه العصبية
وهؤلاء أضاعوا الشريعة إلا قليلاً هو على خطر من جهلهم وسوء إدارتهم، وأولئك
كانوا يعدلون في الأحكام ويساوون الناس في الحقوق فلا يظلمون إلا من نازعهم في
أصل سلطتهم، وهؤلاء يظلمون في كل شيء ويبيعون الحقوق بالرشوة. وقد
رأيت أن من علماء السلف من كان يغلظ لهم وينفّر الناس من أصل سلطتهم ويغيظ
أشدهم سفكًا للدماء كالحجاج أفَلَسْنَا أحوج الآن إلى ذلك؟!.
الخلاصة: أنه لا بد من اجتماع العلماء وتعاونهم على فريضة النصيحة مادام
في القوس منزع وفي السلطة الإسلامية رمق.
... ... ... ... (للآثار بقية)
(( يتبع بمقال تالٍ ) )
(1) يوشك أن يكون الحَجَّاج هو الذي أوعز إلى الشاميَّيْنِ بمثل ما فعلا ليعلم هل تدفع مجاملته للحسن شيئًا من كلامه فيه وفي حكومته.
(2) الجملة حديث رواه العسكري وابن المبارك والخرائطي بهذا اللفظ عن ابن عباس ورواه غيرهم بألفاظ أخرى.