ونلاحظ في قول الحق سبحانه وتعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} أن البعض مرفوع والبعض الآخر مرفوع عليه ، وما دامت كلمة {بَعْضٍ} مبهمة ، فإن كلاً منا مرفوع عليه . ولا يوجد واحد من البشر مرفوع على الجميع ، بحيث يكون وحده مجموعة متكاملة من المواهب . ولكن كلاّ منا متميز في ناحية أخرى ، حتى يكون التلاحم في الكون تلاحم ضرورة حياة وليس تفضلاً ؛ ولذلك فإن الإنسان المؤمن إذا كان فاعلاً مرفوعاً عليه في شيء فلا بد أن يسأل نفسه: في أي الأشياء أنا مرفوع فيه؟ وفي أي الأشياء الناس أحسن مني؟
ونقول له: أنت تتقن عملاً معيناً ولذلك أنت مرفوع فيه ، ولكن في باقي الأشياء لا تعلم شيئاً ، فأنت مرفوع عليك . إذن: فأنا في الشيء الذي لا أجيده مرفوع عليّ ، وفي الشيء الذي أجيده مرفوع على الناس ؛ ولذلك تجد كل واحد في كون الله مرفوعاً مرة ومرفوعاً عليه مرة ، وهذا هو معنى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} .
ولكن الآفة أننا لا ننظر في الرفعة إلا في مجال واحد ؛ هذا غني وهذا فقير ، ولكننا لا ننظر إلى الصحة ، أو العلم ، أو الأولاد ، أو صلاح الزوجة أو البركة في الحياة ، وزوايا كثيرة ، وبعضنا إذا أخذ درجة عالية في زاوية ، فإنه قد يأخذ صفراً في زاوية أخرى . ومجموع كل إنسان في نهاية الأمر يساوي مجموع أي إنسان آخر ، ولا تفاضل إلا بالتقوى . فإن رأيت واحداً متفوقاً عليك في شيء . فإياك أن تحسده ولكن اسأل نفسك في أي مجال أنت تتفوق عليه ، وستجد هناك مجالات وزوايا أخرى تكون فيها أفضل من غيرك .
إذن: فكل منا مرفوع ومرفوع عليه ، ولا بد أن نفهم أن كل صاحب موهبة يفيد المجتمع بموهبته ، وربما كان نفعه للمجتمع خيراً من نفعه لنفسه . انظر إلى النجار مثلاً يجده يتقن عمل الأبواب والنوافذ للناس ، أما لنفسه فلا يتقنها ، لماذا؟ لأن الباب الذي يصنعه لنفسه هو الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه أجراً .